شبكة الملحدين العرب  |  المنتدى

جميع المدونات [1] 2 3 4 5 6 ... 101

xx الــــــيـــــــهـــــــود الــــمــــزراحـــــيـــــّون - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
21/03/2011, 18:34:11

يهود مزراحيون

اليهود المزراحيون أو مزراحيم מזרחים مصطلح عبري لليهود الشرقيين وتعني باللغة العبرية مشرقي وتطلق هذه الكلمة على اليهود القادمين أو المتحدرين من سلالة يهود الشرق الأوسط وبعض البلدان الإسلامية. يتضمن هذا المصطلح أيضا يهود إيران، يهود الجبال (القفقاس)، يهود الهند، يهود كردستان، يهود جورجيا،، يهود بخارى (أسيا الوسطى) إضافة إلى يهود اليمن ويهود العراق ويهود سوريا ويهود الجزيرة العربية.و تقابل هذه الكلمة مصطلح اليهود الأشكنازيين لليهود الأوربيين. من الناحية الدينية يتابع اليهود المزراحيون، باستثناء يهود اليمن، المذهب اليهودي السفاردي الذي تطور لدى اليهود الخارجين من إسبانيا والبرتغال في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. أما يهود اليمن فيتابعون مذهبا دينيا يهوديا خاص بهم.




صورة تعود لعام 1914 ليهودي يمني بثياب يهودية تقليدية وتبدو واضحة زنانيره" خصل الشعر المتدلية قرب الزلف والتي لا يقصها اليهود"

يهود اليمن (عبرية: תֵּימָנִים تيمانيم، مفردها: תֵּימָנִי تيماني) وهم اليهود الذين عاشوا وانحدروا من اليمن (عبرية: תֵּימָן أي أقصى الجنوب)، أو من المناطق التي تقع في جنوب غرب الجزيرة العربية.
بدأت علاقة اليمن باليهودية في عهود قديمه قبل الميلاد في عهد النبي سليمان حين امنت الملكه بلقيس بالله وامن معها شعبها وكذا حمل إبناها اليهودية إلى الحبشة. كذا الملك تبَّع اسعد الذي آمن واتبعه اليمانيون. وقد بقيت اليهودية حتى بعد مجئ الإسلام حيث دخل بعضهم الإسلام وبقي بعضهم على اليهودية. يمتاز يهود اليمن عن غيرهم من أهل اليمن بانهم لا يضعون الخنجر اليمني الشهير "الجنبية" ويعود ذلك إلى انهم "يعتبرون أهل ذمة" فلا يصح لهم ان يتسلحوا فتوارثوا هذه العادة عبر الأجيال رغم أنهم أمهر من يصنع الخناجر. ويعتبر اليهود اليمنييون من أكثر الطوائف تمسكا بتعاليم التوراة ويختلفون في مذهبهم عن سائر اليهود السفارديين والمزراحيين ويمكن عدهم من فئة الارثوذكس من حيث تمسكهم بالتلمود. ويتكلم اليهود اليمنييون العربية كلغة دائمة والعبرية كلغة دينية وتميزون في لغتهم العبرية بإضافة الاحرف العربية مثل الثاء والجيم والطاء والظاء والصاد والضاد والذال والغين وذلك بإضافة نقط للحروف العبرية ولا غيرهم من اليهود ينطقون بها سواهم. كما يعرف اليهود اليمنيون بجمال تلاوتهم للتوراة من حيث النطق السليم للحروف العبرية إضافة للحن اليمني الذي يضفونه على تلاوتهم كما أنهم يقرأون التوراة بالعبرية والارامية والعربية ويستخدمون الاحرف العبرية في الثلاث.وهذه نموذج للقراء من الوصايا العشر.
قل عدد اليهود بعد قيام دولة إسرائيل حيث كان تعدادهم ما يقارب ال 60,000 وقد هاجر معظمهم بعد أن باعوا جميع ممتلكاتهم إلى إسرائيل خلال عملية بساط الريح حيث هاجر فيها حوالي أربعين ألف يهودي. بعضهم هاجر إلى بريطانيا وأمريكا. وقد بقيت أعداد قليلة تقدر بثلاثمائة شخص إلى يومنا هذا يتواجدون بكثرة في مدينة ريدة وقرب صعدة وكثير منهم لا يعترف بضروره قيام دوله لليهود لأنها مخالفه للتوراة حسب قولهم.
توفي الحاخام الأكبر ليهود اليمن الحاليين أو (العيلوم بحسب تسمية يهود اليمن) يعيش بن يحيى في 6/ 4 / 2007م وخلفه من بعده ابنه يحيى بن يعيش بن يحيى. يتجمع اليهود اليمنيون في إسرائيل في مدينة ريهوفوت (ريحوفوت).
تواجد اليهود في مدن وقرى عديدة من بينها :

•   حاشد خاصة في ناحية ظليمة.
•   المداير.
•   حبور.
•   في مدينة حجة خاصة منطقة جبل عمرو.
•   مدينة إب في حارة الجاءه جنوب شرق المدينة.
•   ومديرية بعدان .
•   السياني.
•   وفي جبله خصوصا في حارة المكعدد،
•   وفي قضاء النادرة سكنوا قرية مجاورة اسمها حجزان وكان يشاركهم فيها بعض السكان المسلمين،
•   وفي مدينة عدن كان معظمهم في حي كريتر.و كان عدد يهود عدن عام 1955 حوالي خمسة آلاف نسمة.
•   أما في محافظة شبوة في منطقة حبان وحدها كان يوجد 700 يهودي.
•   وفي ريمه في قرى كثيره
•   وفي حضرموت كان اليهود في سيؤن وتريم والمكلا والشحر وكانو امهر صناع الخناجر الحضرمية واللآزر الحضرمية والتعرف بالسباعية حيث كانو امهر حائكوا هذه الاقمشة علما ان عدد من اليهود كانو كتبة في بلاط السلاطين واطباء ومستشارين ولم يعد في اليمن الجنوبي اي يهود الا ما ندر وأغلبهم ذهب إلى إسرائيل بينما اسلم الكثير منهم وخصوصا يهود يحضرموت.
بالنسبة ليهود حضرموت هناك بعض الاسر التي قدمت من خارج اليمن وهم يشار إليهم بالمزراحيين وقد كان منهم اطباء ومستشاروا السلطان الكثيري بدر بو طويرق.
•   ويقال انهم سكنوا منطقة الاعبوس في محافظة تعز حتى القرن السابع عشر الميلادي.
•   كان يهود صنعاء يتركزون في حي يسمى "قاع اليهود" وهو مقسم إلى 20 حارة في كل حارة كنيس أو إثنين. الذي أصبح اسمه حاليا "قاع العلفي" حيث توجد فيه مبنى أمانة العاصمة حاليا ووزارة الخارجية سابقا. وقد كان في صنعاء عام 1930 فقط حوالي 39 كنيسا يهوديا.
بحسب بعض الروايات يعتقد أيضاً أنهم سكنوا في منطقة يافع لحقبة من الزمن، كما أنهم تميزوا في تجاره المحصولات الرزاعيه المتوافره في تلك المنطقه والبن، ثم هجروا المنطقه لعدم توفر المياه الجوفية سيما أن يافع منطقه جبليه وتعتمد كلياً على الأمطار الموسميه والآبار الجوفيه. يقال أنهم تميزوا أيضاً بفن العمارة وكانت تعرف بيوتهم بنقش ورسم رمز النجمه في أعلى أبواب بيوتهم وكانو يخفضون ارتفاع الأبواب بحيث يركع الداخل إلى بيوتهم كنوع من الإيمان بعقيدتهم.
أيضا امتهن يهود المدن المهن الحرفية واليدوية من تجارة وحدادة ونجارة وأعمال الجص وصنع الأحذية ومشغولات فضية وذهبية والدباغة. وفي الأرياف كانوا يعملون إضافة إلى ما سبق في الزراعة والفلاحة ويملكون الأراضي، ولكنهم عموماً يميلون إلى التجارة.والزراعة
لليهود في اليمن حاليا كنيسان ومدرستان خاصتان في ريدة وخارف. وقد تركت محافظة صعدة آخر العوائل اليهودية وكان عددهم 45 شخصا عام 2007 بعد تهديدات من جماعة بدر الدين الحوثي حيث انتقلوا إلى صنعاء .
ووفقا لوكالة الأنباء الفرنسية فان عدد اليهود المتبقيين في ريدة بلغ في فبراير 2009 نحو 260 شخصا، حيث يعيشون في حالة من الخوف نتيج عنها اغلاق كنسهم الثلاث ومدرستاهما، عندما قام يمني متطرف بقتل يمني يهودي بدعوى "أن على اليهود اليمنيين إشهار إسلامهم، أو مغادرة البلاد؛ وإلا فإنهم سيتعرضون للقتل".[2] وكان القتيل هو أخ كبير حاخامات يهود اليمن ووقد اعلنت السلطات اليمنيه ان القاتل مختل عقليا ,و لم يتم اعدامه وتكثر الروايات فبين من يقول انه لم يعدم لكونه بالفعل مختل عقليا وبين من يذكر انه لم يعدم نتيجة لقوة القبيلة التي ينتمي لها ونفوذها, يذكر ان القاتل هو طيار سابق، وفي الاسبوع التالي لعملية قتل شقيق الحاخام قامت إسرائيل بعملية سرية داخل الأراضي اليمنيه قامت خلالها بعملية اخلاء لعائلتين من يهود اليمن يتراوح عددهم ما بين 10 - 16 شخص وتم نقلهم إلى إسرائيل. كان اليهود يعيشون في منطقة داخل صنعاء القديمة في حارة الخرائب الاسم الحالي الجلاء وما زال كل معالمهم فيها حتا انهم الصنعانيين إذا خربوا بيوتهم يجدون لقيه اي ذهب وهاذا واقع وقد تم اخر فترة انه اتا رجل من يهود عمران انه اشترا بيت في حارة الجلاء وتم استخراج الذهب وبعض المخطوطات الأثرية وان اليهود الذين كانوا في الخرائب تم اجلائهم إلى البونية وقاع اليهود ومن ثم إلى بيت بوس وما زال اثرهم وكنائسهم إلى اليوم.



xx الفطير المُقدّسْ؟!! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
26/09/2010, 00:41:13



راجعت كل مواضيع هذه الساحة كي اتأكّد من عدم التطرّق لهذا الموضوع الشهير .. إنه موضوع الفطير المُقدّسْ أو فطير صهيون, أول مرّة قرأت عنه ومنذ سنوات طويلة في كتاب: دم لفطير صهيون .. للكاتب نجيب الكيلاني .. ثمّ ظهر كتاب لمصطفى طلاس حول ذات الموضوع وهي قصّة حقيقية حصلت في حيّ باب توما بدمشق, ساحاول نقل قسم يوضّحها, من كتاب نجيب الكيلاني:

نحن في دمشق في أوئل عام 1840 بعد أن احتلت قوات محمد علي باشا الشام بقيادة ولده ابراهيم باشا ذلك القائد المحنك
وهاهي دمشق تخضع للحكم المصري وواليها من قبل الجيش المنتصر هو الرجل اليقظ شريف باشا
وليس في دمشق كلها من لا يعرف تلك الحارة الشهيرة المميزة حارة اليهود . فاذا سرت في هذه الحارة وقعت عيناك
على رجال اليهود و نسائهم وأطفالهم وعلى بيوتهم المتلاصقة المزدوجة : الأبواب تبدو صغيرة قليلة الارتفاع لا يكاد
المرء يدخلها الا منحني و لا تتسع لأكثر من واحد وكأنها أبواب الدهاليز الغامضة و الباب يقودك الى ممر ملتو كالأفعى
يفضي الى باحة واسعة تنتثر فيها الأغنام و الطيور و الأرانب و بعض الحشائش و قد تجد أشجار مثمرة كالتين و العنب
ومن آن لأخر ترى حانوت لبيع الخبز و المأكولات و أخر يتلألأ فيه بريق الذهب والجواهر و ثالث يكتظ بأنواع الأقمشة
و المنسوجات ذات الألوان الزاهية وقد تجد بالقرب منه خان كبير لبيع الأخشاب وهناك قرب النهاية تجد " كنيس الافرنج "
الذي يتردد عليه اليهود لتأدية شعائر دينهم في حرية تامة والى جوار الكنيس يقبع محل "سليمان الحلاق " الذي يتردد عليه
كثير من الزبائن اليهود وغير اليهود وسليمان زرب اللسان حلو النكتة يقلد الأوربيين في طريقة قص الشعر وتنظيم
الخصلات وتنسيق السوالف و سليمان مشهور أيضا بعملية " فصد الدم " بارع في تأديتها فكثير ما تراه يغلق دكانه و يحمل حقيبته
و يذهب الى أحد البيوت لاجراء فصد الدم لبعض المرضى و سليمان يهمه بالدرجة الأولى ألا يخرج من أي بيت خاوي الوفاض
و من ثم تراه يؤكد لكل مريض أن فصد الدم ضروري له حتى و لو كان هذا المريض مصاب بفقر الدم و الهزال أو كان يعاني
من اسهال حاد ان سليمان يحب المال و يحب منظر الدماء أيضا و الفصد يحقق له الهدفين معا وسليمان سمح الوجه باسم دائما
لا تكاد تعبيرات وجهه تشف عما يعتمل في داخله .
وفي حارة اليهود بدمشق تقيم أسرة " هراري " ذات الثراء الفاحش و التجارات الواسعة و الصيت الذائع . ان منزل " داود هراري "
يعرفه الجميع فهو بناء جديد يوحي بالعظمة والغنى والنفوذ نوافذه الزجاجية ذات الستائر الحريرية تجذب اليه الأنظار وطلاؤه الناصع
البياض يوحي بالاعجاب و المتعة حتى النسوة اللاتي تظهر وجوههن من النوافذ أو فرجات الأبواب ييتميعن بجمال فائق وأصواتهن
الرخوة الناعمة تثير خيال المراهقين وتحك الدماء بعنف في عروق الرجال . ومن أشهر الرجال الذين يقيمون في حارة اليهود الحاخام
" موسى أبو العافية " و الحاخام " موسى سلانيكلي " انهما كثيرا ما يبدوان في الحارة وهما ذاهبان الى الكنيس أو عائدان منه يحوطهما
الوقار و الهدوء و الغموض وهي من لزوميات رجل الدين اليهودي .....
وفي حارة اليهود تبدو أشياء مسلية بل ومضحكة في بعض الأحيان . ان عشرات من الشبان " الشوام " و بعض عساكر محمد علي
يمضون في حارة اليهود يوزعون نظراتهم يمينا و شمالا ويحاصرون النسوة السائرات في الطريق بعيونهم النهمة الجائعة ويطلقون كلمات
الغزل الساذجة بصوت خفيض في أغلب الأحيان ونادرا ما يقولونها بصوت مرتفع والخجل يوشي وجوههم التي تفيض حيوية فالشائع عندهم
أن النساء اليهوديات لا يكترثن كثيرا بالآداب المرعية ولا مانع لديهن من أن تنصب في آذانهن كلمات الاطراء والثناء على جمالهن وعديد من
الأقاصيص و الحكيات يرويها المراهقون عنهن ويبالغون في تفاصيلها ولعل مما يقوي هذه الظنون حب اليهود للمال ورغبتهم في الحصول
عليه من أي طريق فلا عجب أن تقع العين على أحد الشبان وهو يعبث بجيوبه و يحركها حتى يصدر عنها صوت ارتطام القروش ببعضها
أو رنين القطع الذهبية ذات الصدى الساحر و على الرغم من أن هذه المظاهر قد تؤذي مشاعر اليهود من الرجال الا أنهم يغضون الطرف عنها
ويتجاهلونها تماما أملا في أن يميل بعض هؤلاء على المحلات التجارية و يشتري بعض أغراضه ومن آن لآخر تسمع أحد تجار اليهود يدلل على
بضاعته قائلا :
" تفضلوا يا شباب .. عندنا عطور فاخرة .. "
" هنا أعظم الثياب الحريرية .. "
" تفضلوا .. مجواهرات .. وخواتم ذهبية وفضية .. "
وغيرها من الأشياء التي تصلح كهدايا .
وقد يتقابل أحد الشبان صدفة مع احدى اليهوديات وهي تشتري البضائع فترمقه بنظرة عابرة فتغذي تلك النظرة خياله بآلاف الأمنيات وتشعل في
كيانه الرغبات الجامحة فيمضي وراءها مسلوب الارادة حتى يراه وهي تختفي وراء أحد الأبواب ويبقى هو رائحا غاديا يحلم باللقاء العامر بكل
ألوان الملذات ويظل هائما في أحلامه حتى يحط المساء وتنبعث أضواء المصابيح الهزيلة .....

وليس في دمشق كلها من لا يعرف الأب " توما " أو البادري توما كما يسمونه وهو قسيس من سردينيا ايطالي الأصل
لكنه يتمتع بالجنسية الفرنسية و يعيش في دمشق منذ أكثر من ثلاثين عاما . لقد تخطى آنذاك الخامسة و الخمسين من
عمره ومع ذلك فان وجهه الأشقر يفيض بالحيوية و النشاط وعينيه الصافيتين تنسكب منهما الطيبة والرضى واليقين
ولحيته الشقراء التي تناثرت فيها الشعيرات البيضاء تقطر سماحة وأمنا وثقة الرجال يبشون لمقدمه ويجلونه أشد
الاجلال و النساء ترمقنه في احترام بالغ والأطفال يمتزج حبهم له بشيء قليل من الخوف لأنه يعطيهم دائما الطعم
الواقي ضد الجدري حتى اليهود برغم عدائهم التقليدي للمسيحين لا يشذون عن هذه القاعدة ويبدون كثير من التقدير
و المحبة للأب توما بل ان اليهودي المعروف التاجر الثري " داود هراري " يعد من أصدق أصدقاء الأب توما
وأخلص خلصائه وكثير ما يراهما الناس جالسين معا يتناقشان في أمور الدين و الدنيا ويرشفان أقداح القهوة التركية
ويتبادلان الملح والطرائف في مودة لا مثيل لها ويسكن " الأب توما " _ مع خادمه الوحيد ابراهيم عمار _
في دير صغير لا ثالث لهما حياتهما هادئة بسيطة لا متاعب فيها ولا منغصات . و" الأب توما " وقته موزع بين العبادة
والقراءة ومعالجة المرضى ولديه في الدير مكتبة عامرة بكتب اللاهوت و التاريخ والطب واللغة وهو حريص على مداومة
النظر في كتب الطب القديم منها و الحديث فتجد لديه كتب ابن سينا وابن النفيس والرازي المترجمة عن العربية الى
اللاتينية و الانجليزية و الايطالية كما تجد المؤلفات الحديثة في علم التشريح و الحميات و الاقربازين والفيزياء وغيرها
وفي مقدور الأب توما أنيعطي الناس الطعم الواقي ضد الجدري لأن هذا المرض كان كثير الانتشار في تلك الأيام و كان
يأتي على هيئة موجات وبائية عنيفة تكتسح المدن والقرى وتخلف وراءها الكثير من الشقاء و الحزن والعاهات بل كثيرا
ما كانت تترك جيشا بأكمله مجموعة متناثرة من الجثث و العفن و البلاء ..... والأب توما يستطيع أن يمارس بعض
العمليات الجراحية الصغيرة كأن يشق خراجا أو يجبر كسرا أو يخيط جرحا كما كان يداوي الكثير من الأمراض الباطنية
باستعمال خلاصة الأوراق والنباتات التي يغليها فوق النار و قد يقطر بعض المطهرات في عيون المرمدين أو يضع بعض
الراهم على رؤوس الأطفال المصابين بالقرع وتراه في الصباح الباكر يستعد لاقامة الصلاة في الدير فيفد اليه عديد من الناس
فيلقي مواعظه ويؤدي الشعائر وكان له الكثير من الأصدقاء المرموقين ذوي المراكز والكفايات العلمية و الدينية ومن أهمهم
الخواجا " سانتي " الذي يعمل صيدليا بالمستشفى العام بدمشق وكثيرا ما كان " سانتي " يستعير الكتب من " الأب توما "
ويقضي معه بعض السهرات الليلية يتدارسون فيها أمور العلم والدين والسياسة . قال له سانتي ذات مساء :
- " لماذا لم تتزوج ؟ "
ابتسم الأب توما و قال :
- " من قال ذلك ؟؟ لقد تزوجت .... "
نظر اليه سانتي باهتمام وقال :
- " عهدتك تتحرى الصدق دائما .. "
هز الأب توما رأسه وقال في شيء من الشرود :
- " لقد تزوجت الحقيقة "
انفجر سانتي ضاحكا وقال في معاتبة :
- " المرأة أقوى حقيقة في حياتنا "
- " الانسان ليس الحقيقة كلها بل هو جزء منها .. يا صديقي العزيز سانتي .. لقد عشت لها .. للحقيقة "
همس سانتي وقد بدا الخجل على عينيه :
- " لكن المرأة حقيقة تبعث الدفء في القلوب والأرواح والأجساد .. "
- " الحقيقة الكبرى دفئها أبدي خالد "
ونظر الأب توما الى السماء الصافية المرصعة بالنجوم المتألقة وكان الجو بارد تمتم :
- " طوبى لكل الأتقياء "
اتنهد سانتي وهتف :
- " انه ضرب فريد من البطولة "
- " ماذا تقصد ؟؟ "
- " اغفر لي يا أبتاه .. أنا أصلي وأصوم .. لكن عطر النساء يدير رأسي ولهذا تزوجت ولا أستطيع أن أتصور
رجلا طبيعيا بدون امرأة "
قال توما في يقين ثابت :
- " انه حرمان بارادتي .. لم يلزمني به أحد وأنا لا ألزم به أحد .. فليتزوج الرجال .. وليأت الى الدنيا أطفال
كالزهور .. لكن لابد أن يكون هناك طائفة يتفرغون لمجدالله ويعشقون الحقيقة .. ويهبون حياتهم كاملة لها .. "
وشر الأب توما جرعة من القهوة و استطرد :
- " أنا في قمة السعادة .. حينما أتأمل الوجود .. وأفكر في عجائب مخلوقات الله .. وأندمج في الكون .. وأتذكر
" السيد العظيم " أهيم في عالم وردي رائع .. وأنتشي نشوة كبرى " .
ثم التفت الى سانتي قائلا :
- " الست معي في أن الملذات تختلف ؟؟ هناك من يجد لذته في الطعام وآخر يجدها في المال وجمعه وثالث لا
يستشعرها الا في أحضان النساء .. وهكذا .. وأنا العاشق للكون وما فيه أنا أنعم في رحاب الحقيقة الابدية أشعر
أن سعادتي لا بداية لها ولا نهاية .. وجدت قبل أن أولد .. وستمتد .. وتتخطى سنوات العمر .. وترافقني في
الآخرة .. أتعي جيدا ما أقول يا سانتي ؟؟ "
هز سانتي كتفيه وقال :
- " أقر بعجزي .. "
ان لك أجنحة ولكنك تأبى أن تجربها .. "
- " آية اجنحة ..؟ " الروح تستطيع أن تخترق بها الحواجز و الحجب .. "
- " أنا ثقيل .. ثقيل .. يا أبتاه .. "
ربت ( توما ) على رأسه في حنان صادق وعيناه مبللتان بالدموع و تمتم في رقة :
- " فليحرسك الله .. وليبارك مسعاك .. "
وسادت فترة صمت قال الأب توما بعدها :
- " الرحلة طويلة شاقة ولكنها ممتعة .. ما زلت أذكر الايام والليالي .. جزيرة ساردينيا .. و نحن أطفال .. الشاطئ
الجميل .. الصغيرات اللطيفات يلعبن في المياه النقبة كالاوزات ويتردد صدى ضحكاتهن البريئة في الآفاق .. وابسامات
الفتيات الجميلات في ظلال الخمائل .. كنا نأكل في نهم .. ونشرب .. ونلهو .. ونعب الحياة عبا .. كان كل شيء رائعا
وجميلا .. ودخلت مدرسة اللاهوت .. والكتب لا تضم كل شيء ... هناك أشياء كثيرة نتعلمها من التجربة وأشياء أخرى
تنبثق من الذات وينبض بها القلب .. وتشدو بها الروح قد لا نستطيع التعبير عن هذه الأشياء مع أنها أروع ما في الحياة
والوجود .. ولكنها موجودة .. وأشعر بها جيدا .. هي زادي وحياتي .. لذا تراني سعيدا وأشعرأكثر بالسعادة حينما أراني
وقد اجتزت تلك المسافات الشاسعة في عالم النفس الرحب الكبير .. آه يا سانتي .. أنت لا تشعر بما يعمر قلبي من مجد
وروعة " .

لا يستطيع أحد أن ينكر ما " لداود هراري " من بطش ونفوذ وشخصية مرموقة هو بمقاييس رجال الدين
اليهودي من المتدينين الاوائل الذين يحافظون على الصلاة ويهتون بالشعائر ويظهرون احتراما وتقديرا
بالغين نحو الحاخامات وكثيرا ما الترميمات اللازمة للمعبد اليهودي أو أعاد صباغته بالألوان الزاهية من
عام لآخر وهو بقاييس رجال التجارة مراوغ كبير وذو حاسة تجارية لا تخيب كما لو كان له قرنا استشعار
يعرف بهما ما سوف يجد من أزمات في بعض أنواع البضائع فتراه يخزن بعض المواد أو يجمعها من التجار
ثم يخفيها تماما وعندما تستحكم الأزمة وتشتد الحاجة اليها يظهرها بمقدار ويوزعها في السوق السوداء فيبيعها
بأغلى الأسعار وهو بمقاييس رجال النفوذ صاحب مركز قوي تربطه برجال القلنصيات روابط وثيقة وقريب
من الحكام ويستطيع الحصول على كل ما يستعصي عليه نواله بماله وهو رجل أسرة يقبض على ذمام الأمور
بيد حديدية فلا تستطيع زوجه الجميلة " كاميليا " ولا أولاده أو خدمه أن يحيدوا عن السياسة التي يرسمها قيد
أنملة فهو على ما يظهر رجل ناجح موهوب ينسق حياته العامة والخاصة تنسيقا يكاد يكون آليا لكت أحدا لم
يكن يعلم أن زوجه " كاميليا " كثيرا ما تضيق بهذا النظام الآلي الصارم بل وتشمئز منه لكنها في نفس الوقت
كانت مهيضة الجناح مستسلمة للأمر الواقع لا تستطيع أن تغير من الأمر شيئا وكانت تكتم في نفسها تمردها
وحنقها وكانت صغيرة السن بالنسبة له فهو فوق الخامسة والخمسين أما هي فلم تكن قد بلغت الثلاثين من عمرها
وعندما كان داود يدعو علية القوم الى بيته كانت زوجه كاميليا تجلس وسط النسوة متألقة كالزهرة الندية عيناها
تنبضان بسحر جذاب فاتك وعليها مسحة من حزن لا يكاد يبدو يزيد رونقها بهاء وفتنة وكان كل واحد في الحضور
يتمنى أن يراقصها أو يجاذبها أطراف الأحاديث لكنها على ما يبدو كانت خجولا لم تتعود هذه الجرأة وذلك الاختلاط
برغم الحفلات المتكررة . ولم يكن داود ليسمح لها بأن تغادر البيت وحدها ولا تذهب الى بيت أبيها أو جيرانها أو
جيرانها أو صديقاتها الا في صحبته وكان ينبه عليها قبل كل حفلة أو مأدبة بألاتسمح لأحد براقصتها أو بالاطالة
في الحديث معها مهما كانت شخصيته حتى ولو كان سفيرا من السفراء أو قنصلا من القناصل والغريب أنها بالرغم
من حنقها عليه كانت تخافه وتعمل له ألف حساب كان ظاهرها في الواقع يتسم بالطاعة والرضى والحب لزوجها
وكانت أعماقها تكتظ بكراهية زائدة له ولأسلوبه في الحياة لكن السر الخطير الذي لم يكن يعلمه أحد هو صلتها المريبة
بخادم الأسرة " مراد الفتال " .. ومراد هو محل ثقة زوجها ويعرف الكثير عن أسرار سيده و صفقاته المريبة بل يعرف
أشياء قد لا تعرفها كاميليا نفسها ..
ان مراد هو خادمه الأمين الذي يثق به ثقة مطلقة والحق يقال فان مراد كان مخلصا لسيده داود ملتزما بالآداب المرعية
وكان متعلقا بفتاة يهودية تقوم هي الأخرة بالخدمة في بيت داود هراري وكان كل أمله أن يتزوجها . اسمها " استير " لم
تتخط التاسعة عشرة وهو يكبرها بخمس سنوات ويبدو أن سيدتها قد أدركت العلاقة الوليدة بينها وبين زميلها في الخدمة
مراد فاشتعل قلبها بالحقد عليها وكثيرا ما همت بطردها لكنها وقفت عاجزة أمام هذه العقدة لأن طردها ربما يؤدي الى
فرار مراد الفتال وكاميليا لا تريد ذلك ولا تطيقه بل لعل تهور كاميليا في مثل هذه الحال قد يكشف ما خفي وينجلي
عن فضيحة كبرى ولذا كانت " كاميليا " مضطرة لأن تخفض من حدة غضبها وغيرتها وتسوس الأمور بطريقة
عاقلة وتتحمل وجود استير ويكفي أن مراد الفتال طوع بنانها ..
قال داود :
- " لسوف أرحل اليوم الى بيروت يا كاميليا " .
وعلى الرغم من أنها كثيرا ما تطرب لسفرياته وتمنى أن تتكرر دائما الا أنها هتفت في دهشة :
- " انك كثير الأسفار .. وتتركني وحدي دائما أعاني الوحدة و العذاب .. "
نظر الى وجهها الحزين وعينيها الدامعتين وتمتم :
" أتحبينني لهذه الدرجة ؟؟ "
بان الغضب على ملامحها ونفرت منه في احتجاج وأعتطه ظهرها وهي تقول :
- " يا لك من ظالم !! ألا تعرف حبي بعد هذه السنوات الطوال من الزواج ؟؟ ثلاث عشرة سنة يا داود انها عمر .. "
كانت في قرارة نفسها تعشر أن أيامها معه تشبه أيام السجن برهبته وعذابه وملله .. تنهد في حسرة و تمتم :
- " رجل في الخامسة والخمسين و أنت في عز شبابك .. "
التفتت اليه وشبكت يدها خلف عنقه كطفلة تتعلق بأبيها وقالت وبراءة الأطفال في عينيها الجميلتين :
- " ان مجرد وجودك الى جواري يبهج قلبي .. علاقتنا فوق الماديات و المطالب الجسدية .. "
هذه الكلمة أزعجته انه يشم فيها معنى العزاء والتماس المعاذير التافهة لضعف قوته وأنحسار ظل شبابه .. شابه الذي
يعانب آلام الغروب ويرتجف من هول الشتاء .. شتاء العمر القاسي الي لا يرحم .. وتمتمت " أنت لم تزل قويا.. "
هي تكذب وهو يعلم ذلك جيدا وكان حريصا على أن تنتهي هذه المناقشة بأسرع ما يمكن لذا قال وابتسامة صفراء ترتسم
على فمه :
- " لا تحزني يا حبيبتي .. لن أبقى في بيروت أكثر من أسبوع .. ولسوف أعود بعدها أكثر صحة و عافية .. " وجفف
عرق جبينه قائلا " هناك في بيروت نوع من البذور يقولون أن طحنه ومزجه باللبن وشربه في الصباح قبل الفطور يقوي
الهمة ويعيد الشباب .. "
تضرجت وجنتاها البضتان بالخجل وتمتمت :
- " كل ما أريده أن تأتي الي سليما معافى .. اريدك أنت وكفى .. "
وشرد بضع لحظات وقال :
- " قال لي الحاخام " موسى أبو العافية " أنه لن يرد الي قوتي ويرضي ربي الا الفطير المقدس فطير عيد الفصح .. "
ارتجفت مفاصلها وشحب وجهها وتشبثت به قائلة :
- " بالله عليك لا تطرق هذا الحديث .. انني أخاف .. "
قال في اصرار وعنف :
تلك أوامر " التلمود " .. ودم المسيحي الممزوج بالدقيق له فعل السحر يا أمرأة .. "
ثم عاد يقول " ويحي !! ماذا قلت ؟؟ ما كان يجب أن أتفوه بمثل هذا الكلام .. انه خطير .. خطير للغاية .. "
قالت كاميليا متوسلة " وأنا لا أريد أن أسمعه منك " .

ليلك يا دمشق تسكره الظلمات، وآلامك يا دمشق ترقبها النجوم الساهرة في طول السماء وعرضها، وذكريات الأمس يا مدينة التاريخ العظيم تفيض بالدماء والجراح والمعارك التي لم يزل يتردد صداها عبر السنين، والعسس يا دمشق يجوبون طرقاتك الخالية المقفرة في صمت ويقظة، مخافة أن ترتفع رأس باعتراض، أو تنطلق صيحة تطالب بالحرية، أو يثب فارس بمدفعه يبدد السكون، ويحيي الموات، ويشعل الحرب من جديد، الغزو والامتيازات الأجنبية يثقلان على كاهلك، ويحجبان وجهك المشرق العريق ويمرغانه في التراب، لكنكِ لم تستسلمي للفناء ولم ترضخي للذل.. لأنكِ يا دمشق من قديم قلعة الأحرار والإيمان.. ومنارة الإسلام والبطولات..


دمشق نائمة في الظاهر، لكن عيونها مسهدة، والدموع تنسكب على الخدود، والمسجد الأموي قد أوى إليه بعض العباد يضرعون إلى الله، ويطيلون السجود والركوع، ووالي دمشق من قِبَل محمد علي باشا (شريف باشا) ينام في قلعته مطمئن البال، هادئ النفس، بعد أن انكسرت حدة المقاومة وهُزمت الجيوش المحلية والتركية، وتمزقت السكينة، واندحر الأمن، لكن حارة اليهود لها شأن آخر، لا يضيرهم أن يأتي حاكم، أو أن يذهب حاكم، فكل حاكم يأتي يدينون له بالطاعة والولاء، ويبذلون له الذهب والنساء، ويتطوعون بإفشاء أسرار المناضلين، ويشون بأعدائهم في الدين، أو منافسيهم في التجارة، أو مناوئيهم في الحرب الخفية.. الدس.. السموم.. الوقيعة هي أسلحتهم التي لم تتغير ولم تتبدل على مدار السنين..


وبيت (داوود هراري) يقبع تحت الظلمات ببنائه الشاهق.. الكل نائم.. الخدم ينكمشون من شدة البرد في حجرة ضيقة للرجال، وأخرى للنساء، وأطفال (هراري) يغطون في سبات عميق، لكن هناك حيَّة تسعى.. هاهي (كاميليا) تتسلل إلى حجرة في آخر الدهليز الأرضي، لا يقربها أحد.. وللدهليز باب صغير في الإمكان إغلاقه بإحكام، وفي نهاية الدهليز حجرة صغيرة قذرة تمتلئ بالأتربة وبعض المخطوطات القديمة والكتب المقدسة، وغيرها من طبعات التلمود الصفراء الرثة وبعض الأغراض الأخرى..


كانت كاميليا تلبس ثوباً شفافاً يبرز مفاتن جسدها، وفي يدها شمعة يتحرك لهبها المرتجف فيرسم على الحيطان ظلالاً تبدو كالأشباح الخرافية، وأخذت كاميليا تنظر يمنة ويسرة، وتنتقل في قلق من مكان إلى مكان، وأخيراً وضعت الشمعة على رف صغير في ركن من أركان الحجرة، الانتظار يرهق أعصابها، ويكاد يحطمها، ترى لماذا لم يأتِ؟؟ أقسمت بينها وبين نفسها أن تدمره.. تسحقه.. تقضي عليه قضاء مبرماً إذا أخلف وعده ولم يحضر.. اللحظات القصار تبدو كدهر طويل.. وهي تريد أن تفعل شيئاً كي يبدد سأمها وضيقها وتهدئ من خفقات قلبها، ونظرت إلى جوارها فوجدت كتاباً قديماً يغطيه الغبار فتناولته وأخذت تقرأ: (الطور يورد).


هو كتاب ألّفه العالم الرباني يعقوب، وهو أحد أئمة اليهود وآراؤه معتبرة في المسائل الدينية، وجاء في البند 158 إنه (محرم على اليهودي أن ينجِّي أحداً من بقية الأمم من البئر التي يكون وقع فيها، وعلى الطبيب اليهودي ألا يداوي أمميَّا (غير إسرائيلي) مطلقاً ولو بالأجرة إلا إذا أراد ضرره أو الانتفاع بماله، فإذا كان مبتدئاً في هذا الفن، فليتعلم بمداواة باقي الأمم، ويجوز إجراء المعالجة مجاناً في هذه الحالة..).


تضايقت كاميليا من هذه الكلمات، فقذفت بالكتاب بعيداً وعادت تنظر إلى باب الدهليز الضيق المظلم، وتحاول جاهدة أن تتسمع وقع خطوات الرجل القادم، لكن أحداً لم يأت.. لقد مضى على الموعد أكثر من نصف ساعة، ما معنى ذلك؟ إنها تكاد تجن.. لا يمكن أن يخدعها هكذا.. لو فعل ذلك لذبحته، هي على استعداد أن ترتكب أية حماقة من أجل تحقيق رغباتها الآثمة، وإشباع ظمئها وجوعها. وبطريقة لا شعورية تناولت مخطوطاً آخر مكتوباً بخط اليد الأسود، وأخذت تقرأ دون أن تدرك معنى لما تقرأ: (لا تعتبر اليمين التي يقسم بها اليهودي في معاملاته مع باقي الشعوب يميناً؛ لأنه كأنما أقسم لحيوان، والقسم لحيوان لا يُعد يميناً.. فإذا اضطر يهودي أن يحلف لمسيحي فله أن يعتبر ذلك الحلف كلا شيء.. على أنه لا معنى للنزاع القائم على الأموال بين اليهودي وغير اليهودي. إن أموال المسيحي ودمه ملك لليهودي وله التصرف المطلق فيها، وله الحق، طبقاً لقواعد التلمود، في استرجاع تلك الأموال).


لم تشعر كاميليا لهذه الكلمات بمذاق، أو معنى، على الرغم من معرفتها بأنها من قواعد الديانة اليهودية التي تجلها وتحترمها، بل وتؤمن بها أعمق الإيمان.. وعادت تنظر من جديد إلى الدهليز المظلم والباب الصغير، وأشباح الظلال تتراقص على الحيطان الجرباء الرطبة ذات الرائحة المميزة.. إنها تكاد تختنق: (هذا الملعون لماذا لم يأتِ؟ لئن رأته عيناي لأنشب أظافري في جسده وفي عينيه لا.. لا.. إن عيونه جميلة تنضح بالحيوية والرجولة.. وليست ذابلة ميتة كعيون زوجي..). تنهدت في تعاسة.. وأخذت تبكي وتضرب يديها ورأسها في سرير قديم لكنها سرعان ما استعادت هدوءها وجففت دموعها.. واختطفت كتاباً ثالثاً صغيراً وأخذت تقرأ فيه.. لكن الكلمات شدتها هذه المرة.. (ماذا أرى يا إلهي؟؟) فلتقرأ بصوت مرتفع:

وقال الربي كرونر: (إن التلمود يصرح للإنسان اليهودي بأن يسلم نفسه للشهوات إذا لم يمكنه أن يقاومها، ولكنه يلزم أن يفعل ذلك سراً لعدم الضرر بالديانة، ولقد ذكر في التلمود عن كثير من الحاخامات مثل الربي (رابي) والربي (نحمان) أنهم كانوا ينادون في المدن التي يدخلونها عما إذا كان يوجد فيها امرأة تريد أن تسلم نفسها لهم عدة أيام.. وجاء في التلمود أيضاً عن الربي (اليعازر) أنه فتك بكل نساء الدنيا، وأنه سمع مرة أن واحدة تطلب صندوقاً ملآناً بالذهب كي تسلم نفسها فحمل الصندوق وعبر سبعة شلالات حتى وصل لها.. وجاء في التلمود أن هذا الحاخام لما توفي صرخ الله في السماء قائلاً تحصّل الربي (اليعازر) على الحياة الأبدية..).

وعادت كاميليا تقرأ هذه الكلمات المثيرة مرة أخرى بإعجاب.


كيف تكون هذه الكلمات في الكتب الإسرائيلية المقدسة دون أن تدري عنها شيئاً؟ إن زوجها لا يذكر لها شيئاً عن ذلك ولا يخبرها إلا عن الفطير المقدس..

وتوقفت عن التفكير حينما سمعت صرير الباب..

ها قد أتى مراد الفتال..

(أيها الملعون كدت أفقد عقلي..).

تشبثت به كأغلى أمنية تفوق الدين والدنيا بالنسبة لها.. وشربت مرة أخرى.. وشرب مثلها من خمر معتقة، كان يرتجف.. لكنها قالت في سخرية عابثة: (سوف تحصل على الحياة الأبدية كالحاخام اليعازر.. تصور يا مراد أنني غريبة.. غريبة جداً! أحياناً كثيرة أحب القذارة.. هذه الغرفة بما فيها من تراب وظلام وأتربة وصرارير وأغراض قديمة.. تلذ لي.. تبعث النشوة العارمة في كياني.. أكاد أتقيأ من سرير داود النظيف وملمسه الحريري، وأكره الأثاث الفاخر في غرفة نومي.. إشرب هذا الكأس.. لا تخف، لن يأتي أحد إلى هنا مطلقاً.. إنني أعني ما أقول، لقد رتبت كل شيء.. النسوة في دمشق يستمتعن بالحياة الحلوة فلم أحرم أنا منها؟؟ اللعنة على كل شيء.. لديّ المال والعطور والمجد.. لكني أبصق على كل شيء لأني أشعر بالحرمان، ولا أعرف للحب معنى مع داود.. إنه ليس رجلاً ومع ذلك فأنا مضطرة لاحترامه.. يا مراد هذه الحجرة القذرة الصغيرة هي جنتي الموعودة، لنشرب ونستمتع بالحياة، وأنت لا تخف.. فقد جاء في التلمود أن (اليعازر) قد فتك بكل نساء الدنيا.. ولم يحرقه الله بالنار.. وإنما تحصّل على الحياة الأبدية..).


دمشق نائمة..
والظلام كالكابوس المرهق..
وحارة اليهود تتلوى كثعبان كبير.. في جوفه الجواهر.. والقطع الذهبية.. وزجاجات الخمر.. وغانيات يلعبن بالنار.. ويرقصن رقصات غجرية.. وحاخامات يتحدثون عن الفطير المقدس.. ودم المسيحيين.. وعيد الفصح الذي اقترب..

- (إني أكره هذا الرجل كراهية لا مثيل لها..).

هذا ما كان يردده سليمان الحلاق دائماً أمام أصدقائه من اليهود، وكان يقول ذلك عن الأب (توما) أمام صديقه (مراد الفتال) ويؤكد عليه في وجود آل هراري، ويصرح به في فخر أمام الحاخام موسى أبو العافية، والحاخام موسى سلانيكلي.. وكان يحاول أن يعلل كراهيته للقسيس تعليلاً دينياً، فاليهود يكرهون المسيحيين ويعتبرونهم وثنيين، ويستبيحون أموالهم ودماءهم، بل يضعونهم في مرتبة تساوي مرتبة الحيوانات والبهائم، حسب تعليمات (التلمود)، لكن السبب الحقيقي الكامن وراء كراهية سليمان الحلاق للبادري توما هو المهنة.. أجل.. لأن سليمان يزاول مهنة الطب، والأب توما يمارسها هو الآخر، لكن الجميع يعرفون أن توما يمارسها على أسس علمية، وتجربة طويلة، أما سليمان فهو محدود الكفاءة، أغلب نشاطه يدور في مجال (فصد الدم)، ولا يلجأ أحد إلى سليمان إلا في حالة تعذر وجود الأب توما، أو انشغاله بأعمال كثيرة، ومن ثم فلا مناص من أن يلجأ المريض إلى سليمان مضطراً..

ويقول سليمان لزوجته:
- (تصوري هذا المأفون المدعو توما يعالج الناس جميعاً بالمجان!! إنه يضحي في سبيلهم بماله ووقته دون أن يجني أية فائدة، والناس يثقون به. عندما أتذكر السنوات الطويلة التي قضاها هذا الأبله في خدمة الناس دون أجر أكاد أجن، لو تقاضى أجراً لكان الآن يملك مئات ألوف الألوف من الدنانير الذهبية، الأهم من هذا كله لو لم يكن هذا الرجل موجوداً في الشام لكنت ربحت الكثير من وراء المسلمين والمسيحيين هنا.. لكن ذلك الملعون أغلق باب الثراء والمجد في وجهي.. ولن أنسى ما حييت أنه أساء إليّ أكثر من مرة. أجل.. ستقولين إنه لا يسيء إلى أحد. لكني أؤكد لك أنه كثيراً ما كنت أصف دواء لمريض فيأتي هو ليغير الدواء، لم يكن يتكلم عني بشيء نابٍ لكن مجرد إهمال علاجي أو تغييره يعني أشياء خطيرة، معنى ذلك أني جاهل، كل الناس يسخرون مني، ويتهامسون قائلين: سليمان لا يعرف شيئاً في الطب سوى فصد الدم. آه يا زوجتي.. ربما أفضل أن يتهمني الناس في شرفي ولا يتهموني في كفاءتي في مهنتي..).


ومع ذلك فقد كان سليمان يعيش في بحبوحة من العيش، ويحاول جاهداً أن يتغلب على أحزانه وهواجسه، وكان يبتسم في وجه الأب توما كلما تصادف ولقيه في الطريق العام، أو اجتمعا معاً عند مريض. وذات مرة تجرأ سليمان وقال له:

- (أيها البادري الصالح.. يجب أن تتقاضى أجراً على جهودك الدائبة في الليل والنهار.. الأجر يجعل لعملك معنىً وقيمة.. حينما تقدم للناس شيئاً بلا ثمن فإنهم يزهدون فيه.. لا يقدّرونه حق قدره..).

ابتسم الأب توما في رقة وقال:
- (أي سليمان لا أريد أجراً، ولا أنشد مجداً بين الناس، إن عينيّ متجهتان دائماً صوب السماء، من أجل المسيح أعمل.. وفي سبيل التعساء من بني البشر أجاهد.. والسعادة التي تتدفق بين حنايا الضلوع هي الثواب الكبير.. إنها نعمة كبرى.. فليبارك الرب مسعانا..).


كلمات البادري كان لها وقع السهام على قلب سليمان، وابتسامة البادري النقية أثارت حنق سليمان الحلاق، فتمنى أن ينقض عليه ويخنقه، وهدوء الرجل أشعل عاصفة من الحقد في قلبه، لكن سليمان بادله ابتسامة بابتسامة، وإن كان التناقض كبيراً بين الابتسامتين، وأثنى على فضيلة الأب وحسن إخلاصه ودعا له بمزيد من التوفيق والنجاح..


قال سليمان لزوجه:
- (إنني أعتقد أن صلحاء هذا العالم هم البلهاء.. لو لم يكن لكل شيء ثمن في هذه الحياة لما وجد الملايين الرغيف.. انظري.. إنني أزِنُ عملي بمقدار ما أسعى من خطوات، وبقدر ما أقضي من ساعات، وعلى أساس ما أحققه من نجاح، هذا هو الصواب في رأيي، لكن هناك نقطة هامة يا زوجتي، إنني لم أصل بعد إلى الهدف المنشود، ما معنى ذلك؟ ليس له سوى معنى واحد هو أن العمل الشريف وحده لا يستطيع أن يصعد بالإنسان إلى قمة المجد، لابد إذن من الوثب.. القفز العالي.. لابد من التفكير لكي أصل إلى الهدف الأعظم.. أراني مضطراً لأن أكذب وأمالئ وأنافق وأسرق بل وأقتل في بعض الأحيان. ألا ترين كيف حكمت أوروبا العالم وسيطرت عليه؟ وكيف استطاع الإنجليز أن يثبتوا أقدامهم في الهند..؟ لابد من الخوض في دماء البشر وجثث الضحايا.. الأقوياء ينتصرون.. وليست القوة سيفاً ومدفعاً.. لكنها عقل يفكر.. ولكنها قوة إرادة تسحق هواجس النفس وضعفها، وتسخر من كل القيم النبيلة.. الجَسور وحده ينتصر ويثري.. ويبلغ قمة المجد..).

واحتقن وجه (سليمان الحلاق) وزمجر قائلاً:
- (هأنذا ما زلت حلاقاً حقيراً في حارة اليهود.. مهنة تافهة حقيرة يستطيع أن يتعلمها أغبى خلق الله..).

ثم لمعت في عينيه بارقة انتصار وقال:
(لكن الأمل لم يزل حيّا في قلبي.. بيني وبين النصر خطوة واحدة.. قال لي داود هراري سوف نضرب يا سليمان ثلاثة عصافير بحجر واحد.. أولاً سنحقق أمراً دينياً هاماً، ثانياً نقضي على منافسٍ خطير، ثالثاً ستربح يا سليمان أنت بالذات مالاً وفيراً..).

قالت زوجه في دهشة:
- (أنا لا أفهم شيئاً مما تقول يا سليمان..).

- (ليكن.. فقد اجتمعنا.. وأصدرنا أمرنا..).

لوت الزوجة شفتها السفلى في حيرة:
- (تزيدني همّاً وغموضاً..).

- (إنه أمر سري لا يخص النساء..).

دق قلبها في توجس وقالت:
- (إني خائفة..).

- (الخوف لا يحقق نصراً لا يصنع مجداً يا امرأة..).

- (من خاف سلم يا زوجي).

- (لو اعتصمت بالخوف لبقيت واقفاً في مكاني طول حياتي دون تغيير حتى تجيف جثتي.. وأموت كالكلب..).



وعاد سليمان إلى حجرته وحيداً يفكر، أخذ يتصفح الوجوه التي التقى بها منذ ساعات في كنيسة الإفرنج، إنهم من علية القوم وكبرائهم؛ الحاخام موسى أبو العافية، الحاخام موسى سلانيكلي، داود هراري وأخواه هارون وإسحاق، يوسف هراري، يوسف لينيادو.. ثلة من رجال الدين ورجال المال. في هذا الركب يجب أن يسير سليمان، ومع هؤلاء الكبار يجب أن يتبوأ مقعده، ذلك مكانه الطبيعي، فليفعل أيّ شيء، إنه بذلك يلبي إرادة الله، ويحقق ذاته ويكسب المال، والمحركات كلها في طيّ الكتمان، كل شيء قد تم رسمه بدقة متناهية، وما هي إلا ساعات حتى يصبح سليمان إنساناً آخر.. لن يترك (محل الحلاقة).. سيبقى كما هو سليمان الحلاق في الظاهر، لكنه في الحقيقة قد ولج باب الجنة الموعودة.. ونال ما يشتهي.. وأصبح رجلاً ذا قيمة.. وردد في سعادة:

- (إنه مبلغ كبير جداً.. كبير لو حَلقت رؤوس أهل الشام جميعاً لما أمكنني الحصول عليه..).



وأخيراً ذهب إلى فراشه ونام، كان يردد أثناء نومه (إنه مبلغ كبير.. أكبر صفقة في حياتي..).

وكانت زوجه تربت على رأسه، وهو يغط في نومه، وتقول: (مسكين سليمان.. فليحقق الله لك ما تبتغيه).

على الرغم من أن الوقت كان عصراً وشهر فبراير (شباط) في بدايته، إلا أن الجو كان دافئاً، والسماء صافية، ودير (البادري توما) رائق هادئ بسيط الأثاث تفوح في جنباته رائحة عطرية، نتيجة لاحتراق العيدان الرفيعة ذات الأريج، والتي تبعث بخيط رفيع من الدخان الأزرق. كان البادري توما يعد نفسه للخروج وقد ارتدى ثوبه الأسود، ولف على وسطه الحزام الأبيض، وهو لا يعدو عن كونه حبلاً نظيفاً بسيطاً، وارتدى طربوشه المعروف، وكان يقف إلى جواره خادمه الأمين (إبراهيم عمار) بعد أن أدى صلاته، وفجأة قال الخادم إبراهيم:
- (أبتاه..).

التفت توما إليه، وقد لاحظ رنة حانية عاطفية في نبرات صوته:
- (ماذا يا إبراهيم؟؟).

قال خافض الرأس:
- (أريد أن أكون تقياً مثلك..).

ابتسم البادري في ودّ وهمس وعيناه تنظران إلى الآفاق الرحبة:
- (من يدري؟؟ قد تكون أفضل مني عند أبينا الذي في السموات..).

قال إبراهيم:
- (مستحيل، إنني أعرف نفسي جيداً.. الخطايا القديمة تغرقني من أخمص قدمي حتى قمة رأسي..).

قال البادري في رضى:
- (هذا بداية الطريق..),

- (لكني يا أبتاه أريد أن أجيد القراءة والكتابة، أتمنى أن أحفظ كل الكتب المقدسة الموجودة لديك عن ظهر قلب.. أريد أن أتقن العربية والعبرية واللاتينية والفرنسية.. أريد أن أعرف الطب.. وأعظ الناس.. أريد أن أخاطب (السيد) بكل لغة.. بقلبي.. وعملي ولساني وقلمي.. إن بداخلي طاقة كبرى..).

وعاد البادري يربت على ظهر خادمه قائلاً:
- (أي بني الحبيب، الله يفهم لغتك دون أن تتكلم.. إنه يعلم خفايا القلوب.. الحفاة العراة من الصيادين والجهلة.. فتح لهم بابه.. أصبحوا حواريين لولده المخلص.. وأخذت الدنيا عنهم المعرفة والنور.. إن يكن قلبك نقياً.. تتفتح لك أبواب السماء وتصير الأرض كلها في قبضة يدك.. ولا حدود لقدرة المؤمن.. لأنها من قدرة الله..).

ألقى إبراهيم بنفسه بين ذراعي البادري (توما) وأخذ ينتحب، فجفف له دموعه وأعاد إليه الأمل والاطمئنان، وظل معه حتى هدأت نفسه تماماً ثم قال:
- (إنني ذاهب الآن يا إبراهيم لألصق إعلانات مزاد تركة (ترانوبا).. إنهم أصدقاؤنا.. وسوف أذهب إلى حارة اليهود كي ألصق الإعلانات أو أغلبها هناك، وسأخبر صديقي الحميم (داود هراري) بهذا الأمر..).

قال إبراهيم:
- (أتظن أنه من الضروري أن آتي معك..؟؟).

- (لا.. لتبق أنت لتعد طعام العشاء.. ويكفي أن تحضر لي حقيبتي الصغيرة، فقد ينتدبني بعض المرضى لإسعافهم أو علاجهم، ما أعظم أن يداوي الإنسان الأرواح والأجسام، ولَكَم كنت أتمنى أن تكون معرفتي بالطب أكثر من ذلك..).

تناول البادري حقيبته، وأدى صلاة قصيرة ثم التفت إلى خادمه إبراهيم عمار قائلاً:
- (لن أبقى هناك طويلاً، فأنا أشعر برغبة في الراحة.. وأرجو أن أجد فرصة للقراءة.. عندما أقرأ أشعر براحة كبرى.. فليباركك الله يا بني الطيب.. وليسدد خطاك..).


وانطلق البادري يخب خباً صوب حارة اليهود.


كان البادري يشق طريقه عبر حارة اليهود، وعلى الرغم من أنه اقترب من الستين إلا أنه كان بادي النشاط، تـُرى ملامح السعادة على وجهه الأشقر، وكان الناس يحيونه من آن لآخر فيرد التحية بابتسامة حلوة، أو يلوح بيده شاكراً، أو ينطق بكلمة شكر مهذبة، الجميع يعرفون البادري توما، ليس في حارة اليهود وحدها أو دمشق وحسب، بل إن الرجل لتـُشد إليه الرحال من جميع أنحاء بلاد الشام، تقديراً لطبه وفنه، وإيماناً ببراعته وخلقه الحسن.


ونظر البادري إلى (داود هراري) من بعيد فابتسم في رضى، إن داود صديقه الحميم، وهو رجل طيب معروف أمام الناس بالصلاح والاستقامة، حتى إنهم كانوا يطلقون عليه (اليهودي الصالح)، وبشّ داود لمقدم توما، واستقبله فاتحاً ذراعيه، واحتضنه في حب، وقبّل وجنتيه ولحيته، مما جعل البادري يغمغم (صديقي وحبيبي داود)، وكان يقف خلف داود عدد من اليهود المعروفين: الحاخام موسى أبو العافية، والحاخام موسى سلانيكلي، وهارون وإسحاق ويوسف هراري، ويوسف لينيادو، وتمتم الحاخام سلانيكلي:
- (إن صداقتكما مخيفة.. لكم نخاف على داود أن تخرجه من دينه أيها الأب توما، وتدخله في ديانتك).

ضحك الجميع بينما رد البادري قائلاً:
- (كلنا إخوة).

وقال داود:
- (جئت في وقتك، لدينا ولد نريد أن تعطي له طعماً ضد الجدري الآن..).

- (من حسن الحظ إن معي الحقيبة، غير أن معي أيضاً بعض الإعلانات أريد إلصاقها على باب الكنيس).

قال داود:
- (هيا بنا لإعطاء الطعم أولاً.. وستكون هناك فرصة لشرب الشاي،
ومجاذبتك أطراف الحديث.. إني في شدة الشوق للقياك، لم أعد أطيق فراقك).


وسار الرجال في موكب مهيب يتقدمهم البادري وداود والحاخامان الكبيران، إنها صورة للتسامح والمحبة بين أتباع دينين عرف العداء الشديد بينهما من قديم الزمان، منذ العشاء الأخير للمسيح.. ودلفوا إلى بيت داود عبر الباب الصغير، واجتازوا الممشى الضيق المعتم، وانحرفوا صوب المربع الجديد.


لو قيل للبادري إن البحار هاجت وماجت واشتعلت أمواجها نيراناً فجأة لصدق الأمر، أما أن يرى صديقه الحميم اليهودي الصالح داود يكشر عن أنياب الغدر، وتنقلب سحنته الطيبة فجأة إلى سحنة شيطان شرير، ثم يقترب منه يريد أن يفترسه، فهذا أمر لا يمكن تصديقه، تمتم البادري (ماذا جرى ولِمَ؟) لم يجب داود بشيء. نظر البادري حواليه سائلاً الرجال: (هل تصيبه هذه اللوثة من آن لآخر.. لم أكن أعرف).


وفي لحظات.. كان البادري مغلّلاً بالحبال، لا يستطيع الحركة.. وبدأ يشعر بآلام الحبال تحزّ في جسده الرقيق، وهمس في دهشة وقد شحب وجهه: (أنتم أيضاً تشاركون داود فيما يفعل؟؟) ونفض البادري رأسه، وفتح عينيه جيداً وهتف في استغراب:
- (هل أنا في حلم أم في يقظة؟ أيها الرجال الطيبون ماذا تنوون أن تفعلوا بي؟).

قال الحاخام سلانيكلي ساخراً:
- (أنت مقدم للمحاكمة).

- (لكنكم تمزحون مزاحاً ثقيلاً لا يليق بكم ولا يليق بي).

- (زعمت أنك تطمع في تحويلنا عن ديانتنا إلى المسيحية، أتقر بذلك؟).

قال البادري وأمارات الألم ترتسم على وجهه وفي عينيه:
- (نحن لا نسوق الناس سوقاً إلى بابه وحرية الاختيار للجميع، وصاحب كل دين، أيّ دين، يدعو الناس للهداية بطريقته السلمية.. هكذا أمرنا السيد المسيح).

وضحك الرجال في هيستيرية وقال داود:
- (حسناً، إن ديننا يأمرنا بأن نسفك دمك، أترانا نطيعه أم نخالفه؟؟).

قال البادري وقد دقّ قلبه بعنف:
- (إنك تمزح يا داود!).

أخرج الحاخام سلانيكلي كتاباً صغيراً من جيبه ثم قال:
- (إذن فلنقرأ كلمات التلمود عن الفطير المقدس المعجون بدم مسيحي.. لنقرأ معاً..).

وأخذ الحاخام يقرأ بضعة سطور، وعيون البادري تروح وتجيء، والدموع تبلل أهدابه، ولحيته ترتجف، وتمتم:
- (أيها الرجال.. أنتم تلعبون لعبة خطرة، وتفتحون الطريق لفتنة كبرى.. لقد سمعت شيئاً عن ذلك التقليد السيء، لكني لم أكن أصدقه.. ليست هذه كلمات التوراة، لقد دسّها عليكم بعض الحاخامات الجهلة حقداً على بني البشر، وانحرافاً بالديانة عن مجراها الصحيح، انظروا في الأمر جيداً.. أنا لم أسئ إلى أحد منكم.. تدبروا.. إن القتل جريمة بشعة لا يقرها عرف ولا دين ولا قانون).

قال الحاخام موسى أبو العافية:
- (لسنا في حاجة لأن تعلمنا أمور ديننا.. إن سفك الدم هو تذكار لما
أمر الله بني إسرائيل بأن يلطخوا أبواب بيوتهم بدم الحمل المذبوح في عيد الفصح عندما كانوا تحت عبودية فرعون).

هتف البادري قائلاً:
- (لكن أيها الأخ المعظم، التوراة نزلت قبل أن يأتي المسيح، وعبودية فرعون لكم قديمة، فكيف يأتي في الديانة شيء يمس المسيحيين قبل أن يوجدوا؟؟ إن أي عاقل متبصر يستطيع أن يتبين فساد ذلك..).

تدخل الحاخام سلانيكلي قائلاً:
- (أسباب سفك الدم عندنا ثلاثة.. أولها كراهيتنا للمسيحيين الذين هم بمثابة حيوانات أو وثنيين كفرة مستباح قتلهم، وثانيها أنه قربة إلى الله، وثالثها أن للدم المسيحي فعلاً سحرياً في بعض الأمور السرية..).

وعند المقطع الأخير تنبه داود، تذكر عجزه الفاضح أمام زوجه الجميلة (كاميليا)، وتذكر أن الفطير المعجون بدم المسيحي يرد إليه شبابه الضائع، وحيويته الغاربة، قد يُدخل على حياته فوائد جمة تحقق له السعادة في الدنيا والآخرة، قال داود ساخراً:
- (اغفر لي يا أبتاه..).

- (وكيف أغفر لغادر يتجنى على الله؟؟).

- (من عادتنا يا أبتاه أن نبكي على خراب أورشليم.. ولابد أن ندهن الجبهة من جهة الصدغين برماد الكتان المنقوع في دم مسيحي..).


طأطأ البادري توما رأسه، وأظلمت الدنيا في عينيه، لم يكن يدري ماذا يفعل، ووقفته أمام الموت رهيبة، وأشد منها إزعاجاً أن ترتكب الخطيئة الكبرى باسم الدين، وتذكر اللحظات المذهلة التي ساقوا فيها المسيح إلى الميدان الكبير، يا لها من لحظات!! وشعر البادري بقليل من الراحة ثم تطلع إلى السماء.. ناجاها بقلبه ودموعه وسمع داود يقول:
- (إننا نحتفل بذكرى صلب الناصري (المسيح) دائماً، لم يكن الناصري هو المسيح الحقيقي.. وتأكد أيها الأب أن المسيح الحقيقي سوف يأتي يوماً من أجلنا، وعند ذبحك سنقول: (هكذا فعلوا بنبي النصارى الذي ليس بنبي حقيقي.. سيأتي في المستقبل أناس عظماء مع المسيح المنتظر راكبين الخيول والجمال فينقذوننا من الأسر..).

صرخ الأب توما بأعلى صوته:
- (أيها الكفرة المخرفون..).

قال الحاخام أبو العافية:
- (اربطوا فمه حتى لا يصيح..).

وعندما ربطوا فمه، تمتم الحاخام سلانيكلي:
- (يقول التلمود: من العدل أن يَقــْتــُلَ الإسرائيلي بيده كل كافر، لأن من يسفك دم الكافر يقرب قرباناً إلى الله..).




كان النسوة والأطفال في بيت هراري محتجزين في الجناح الشمالي للبيت، والعاقلات منهن كن يعرفن ماذا يجري هناك، وجلسن صامتات، وحينما انبعث أنين الضحية المتألمة، وقفت إحداهن والفرح المجنون يرتسم على وجهها المكتنز المحتقن وقالت:
- (أتسمعون الأنين؟؟ اضحكوا واسعدوا.. دقوا الطبول وارقصوا ورددوا أجمل الأغاني الدينية.. هذا يوم المنى.. أسعد أيام العمر..).


وكم كانت دهشتهم حينما رأوا (كاميليا) زوجة داود تلف حول وسطها شالاً حريرياً ثم ترقص في الحجرة الواسعة، وسرعان ما تماوجت حركاتها مع تصفيق الأيدي، ودقات الدفوف، وانتشى الأطفال الذين لا يعرفون ما يجري بروعة ما يشاهدون، فأخذوا يشاركون فيه في بلاهة، ويضحكون ويمرحون ويقلدون النسوة. لم يكن غريباً أن يحدث الغناء والرقص في بيت يهودي، إذ المعروف في دمشق كلها أن اليهود يقبلون على المرح في كثير من الأوقات ويعشقون الخمر والرقص والغناء، بل ويقومون ببعض التمثيليات القصيرة الكوميدية تقليداً لأهل أوروبا، إلى جانب أن البيوت المجاورة كلها يملكها اليهود، فلن يثير الموضوع شيئاً من الشك أو الريبة بل إنه سيغطي على صياح الضحية إذا فكر في طلب النجدة أو الاستغاثة.. بعد أن انتهت كاميليا من الرقص هرولت إلى حجرتها الخاصة لتغير ملابسها، وبصرت بمراد الفتال وهو يهرول متجهاً صوب باب البيت فدعته إليها فعاد مرتبكاً:
- (اتبعني إلى حجرتي..).

- (سيدتي إن داود بالبيت..).

- (أيها الأحمق.. اتبعني..).

- (لقد أرسلني في أمر هام..).

- (دقيقة واحدة وترجع بعدها..).

تلفت حواليه في خوف، لم يجد أحداً، النسوة معزولات في مكانهن لا يصرح لهن بالخروج باستثناء كاميليا، والرجال متجمعون حول الأب توما الذي أحكم وثاقه، ولهذا تبعها مسرعاً ودلف إلى حجرة نومها، وأغلقت الباب، ثم تعرت من ملابسها وتمطت أمام المرآة وقالت:
- (انظر يا مراد.. هذا لك كله..).

- (بالله عليكِ اتركيني.. الأمر خطير.. وجسدي كله يرتجف).

- (أعرف ذلك.. هل ذبحوه؟؟).

- (ليس بعد..).

اقتربت منه وطوقته بذراعيها وقالت:
- (لكم أحبك.. ضمني إليك بشدة.. إنني لا أنسى اللحظات التي أقضيها معك.. أعطني بضع قبلات عابرة.. لقد شربت كثيراً.. رأسي يدور.. تمنيت أن يحترق العالم كله وأبقى أنا وأنت..).

قال وهو يتملص في رقة:
- (سيدتي.. ليس لديّ وقت..).

ثم نظرت إليه وقد تغيرت سحنتها:
- (ما هي المكافأة التي وعدك بها داود بعد إتمام ذبح البادري؟).

- (لم يعدني بشيء بعد..).

سددت إليه نظرات وحش كاسر وقالت:
- (زعم أنه سوف يزوجك أستير.. لقد أخبرني بذلك..).

طأطأ رأسه وتفصد جبينه عرقاً، واشتد شحوب وجهه:
- (هذا أمر سابق لأوانه..).

ضحكت في خلاعة وقالت:
- (تستطيع أن تنصرف الآن، لكن ثق أن كاميليا لن تهزم.. إنني أقوى منكم مجتمعين.. وأنا أعني جيداً ما أقول.. انصرف أيها الكلب.. ولا تتردد كلما دعوتك إليّ..).

أعطاها ظهره ثم اتجه صوب الباب لكنها لحقت به ووضعت في يده مبلغاً من المال كبيراً، فابتسم، أما هي فقد تردد صدى ضحكاتها المتكسرة في أروقة الحجرة الضخمة ذات الرياش الثمينة..

في ذات الإنسان، في داخله العميق المجهول، حيـّـز لا يستطيع الخداع أن يتسرب إليه، إنها منطقة حرام مقدسة الجنبات، كأنما أحاطها الله بأسوار وحواجز لا يمكن أن تخترقها قوة الشياطين، وإلا لماذا يشعر سليمان الحلاق بالخوف الآن؟؟ لماذا يرتجف قلب الخادم مراد الفتال، حتى الحاخامات والرجال من أسرة هراري يؤدون دورهم البغيض وشيء ما داخل كل فرد يقول: (لا..) ويرفض الانصياع، أليس غريباً أن يحدث ذلك وهم مؤمنون بأن ما يفعلونه إنما يؤدونه كفريضة دينية نادى بها التلمود وأكدها الأحبار؟؟ إذن لو كان الأمر أمر دين لما حدث هذا التردد، ولا داهمهم ذلك الخوف، ولا أعجزهم الارتباك.. كل واحد منهم يحاول جاهداً أن يقهر تلك النوازغ كي يقضي على التردد والخوف والارتباك، لقد جلس سليمان الحلاق في دكانه منقبض الصدر، وحينما رأى مراد قادماً نحوه هب واقفاً وهتف:

- (هل ألغيتم العملية..؟؟).

قال مراد وهو يغالب ضعفه ويحاول الظهور بمظهر الشجاع:
- (سيدي يطلبك على الفور..).

- (من؟؟)

سدد إليه نظرات ساخرة وقال:
- (داود..).

وابتلع مراد ريقه واستطرد:
- (الرجل على الصليب، قد كمموا فاه، وربطوه بالحبال ربطاً محكماً.. ولن يتراجعوا..).

ابتسم سليمان ابتسامة شاحبة وقال:
- (أنا قادم معك..).

- (لا.. بل ستأتي وحدك..).

- (كنت أريد أن أخبرك..).

- (بماذا؟؟).

- (لقد أتى الخادم إبراهيم عمار هو الآخر يبحث عن الأب توما..).

قال مراد في لهفة:
- (وأين هو..؟؟).

أشار سليمان بيده في اتجاه أحد المنازل اليهودية المعروفة وقال:
- (هنا.. قالوا له إن الأب توما بالداخل.. فأسرع الخادم.. ولسوف يلقى نفس المصير الذي سيلقاه القسيس..).

وفرك مراد يديه وقال:
- (كل شيء يمضي على ما يرام.. لكني خائف..).

ضحك سليمان في حزن وقال:
- (لسوف تتزوج من تحب، أستير فتاة جميلة تستحق أن يضحى في سبيلها..).


شرد مراد إلى بعيد، تذكر كاميليا تلك الشيطانة الجميلة المثيرة، هذه المرأة الغريبة التي شرب من كأسها حتى أتخم، إنه يحبها ويكرهها، يخاف منها ويأنس إلى جوارها، أي تناقض يرزح مراد تحته؟ أنا مجرد خادم قد تركلني غداً.. بل تستطيع أن تدس لي السم وتقضي عليّ في أي وقت تشاء، لا أدري ماذا أفعل؟ ومع ذلك فأنا أسير في الطريق.. لا أدري أين تقودني قدماي، لكنها فاتنة غجرية الجمال لعوب.. قاتلة.. أي امرأة تلك!! أستير بالنسبة لها لا شيء.. أستير كالشاة الهادئة..

قال سليمان:
- (فيما تفكر يا مراد؟ أتخاف مثلي..؟؟).

رد مراد قائلاً:
- (لا.. تذكرت ما قاله الحاخام بالأمس قال: لا محبة ولا عدل مع المسيحيين.. من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت.. اعلم أن أقوال الحاخامات أفضل من أقوال الأنبياء.. ومن يجادل حاخامه أو معلمه (في الدين) فقد أخطأ، وكأنه جادل العزّة الإلهية.. اقتل الصالح من غير الإسرائيليين..).

قال مراد وهو يبتسم في لا مبالاة:
- (أعرف ذلك كله.. لطالما ردده الحاخامات على مسامع سيدي، كنت أستمع إليهم وأنا أصب القهوة أو أعد النرجيلة.. لكني لا أفكر في شيء من هذا..).

- (فيم تفكر إذن؟).

- (في أستير..).

- (لسوف تتزوجها..).

- (هي مسكينة وتعلم كل شيء.. هذه الشاة الصغيرة تعرف تصرفاتي وانحرافاتي..).

هزّ سليمان كتفيه دون أن يفهم شيئاً، بينما هتف مراد في عجلة:
- (لقد نسينا أنفسنا.. أسرع إلى دار داود..).

- (لسوف أحضر الموسى..).

- (لا داعي لذلك).




ذهب الخواجا (سانتي)، صيدلي المستشفى، إلى دير الأب توما كي يعيد إليه كتاباً كان قد استعاره منه، لكنه في ذلك المساء (الأربعاء) وجد الدير مغلقاً.. وطرق الباب فلم يجبه أحد، أخذ يطوف حول الدير فلم يسمع صوتاً لصديقه ولا حسّاً لخادمه إبراهيم.. شيء غريب.. ومع ذلك فقد قرر أن يعود من حيث أتى، وأثناء رجوعه مال على الدير الكبير (تيرسانت) وأخبر الرهبان هناك بأن البادري توما وخادمه إبراهيم لم يعودا حتى هذه الساعة، فلم يكترثوا للأمر ورجحوا أن البادري ربما يكون قد ذهب لمعاونة بعض المرضى، وكثيراً ما يحدث ذلك لأنه لا يرفض طلباً للمساعدة من أحد.




ودمشق تنام، والعسس يمضون في الطرقات يحكمون ستراتهم لأن نذر البرد تلامس آذانهم المكشوفة، وعندما تنام دمشق فهو نوع من النوم غريب، لأن الآلاف يتقلبون في الفراش يفكرون ويدبرون، ويتذكرون الماضي والحاضر، ويحاولون أن يستشفوا حجب المستقبل.. الأحداث كثيرة.. ولو استطاع أحد الدارسين أن يبحث أسباب الأرق في آلاف البيوت لوجد عجباً.. شاب يحلم بفتاة حلوة أحبها قلبه.. رجل يريد أن يأخذ بثأره، وخيالات الدم تلعب برأسه.. تاجر تمتلئ رأسه بالأرقام ويطرح ويضرب ويقسم، سياسي يخطط لمزيد من السيطرة والنفوذ، ويبحث عن وسيلة لتحطيم أعدائه، فتاة كالزهرة، تحتضن وسادة حريرية وتترنم بأغنية شعبية.. امرأة تخون، رجل يسرق، شيخ يقوم الليل ويضرع إلى الله، سجين ترهقه القيود والأغلال، ويستنجد بالسماء كي تفك إساره.. سكران يضحك ملء شدقيه وكأنه حاز الدنيا بأسرها، مريض يتلوى من شدة الألم، شاب يتراقص من شدة الفرح. دنيا غريبة ممتلئة بالكثير من المتناقضات والأعاجيب.. لكن الأمور تمضي والموكب يسير.. وهذا الخليط الكبير يعزف سيمفونية ذات نغمات مختلفة.. لكنها تعطي لحناً واحداً مميزاً اسمه (الحياة)، ومن يستطيع أن يدلف إلى دار داود هراري يرى عجباً.. امرأة تبصق على فراشها الحريري.. وأطفال يغطون في نوم عميق، وداود يتقدم من البادري المربوط، ويرفع الرباط عن فمه ليعود إلى الحديث المكرر.. ويتلذذ بعذاب صديق العمر..

- (ماذا تريدون..؟؟).

- (لا شيء.. يا توما.. مجرد استجواب..).

- (إني أشم رائحة الغدر..).

ضحك.. وسخرية.. وتبسم داود:
- (نحن أصدقاء يا توما..).

- (هذا أسلوب غريب بين الأصدقاء..).

- (هناك أوقات يا توما.. لا يعرف فيها الصديق صديقه ولا الأخ أخاه..).

- (لا أفهم.. الناس جميعاً أخوة..).

- (الناس بهائم وحيوانات يا توما إلا الإسرائيليين.. قلت لك ذلك ألف مرة ومرة، هكذا قال التلمود).

- (التلمود لم ينزّله الله.. الفرق كبير بين كلمات الله.. وسخافات البشر..).


التفت داود إلى هارون وقال:
- (الرجل يسيء الأدب وهو على أعتاب الموت..).

صاح البادري في صبر نافذ:
- (اقتلوني..).

- (ليس الآن..).

- (أريحوني من هذا العذاب..).

- (هذا مشهد يبعث البهجة في النفوس..).

- (وأنا لا أخاف الموت يا داود..).

- (لا تحزن.. سأدفنك هنا في بيتي.. سأقرؤك السلام كل يوم.. ستبقى جثتك هنا إلى الأبد.. سنظل أصدقاء برغم الموت وبرغم فظاظتي معك).

همّ البادري أن ينزع نفسه من الوثاق المحكم، وضحك الرجال وصاح الحاخام أبو العافية:
- (كمموا فاه من جديد.. ها قد جاء سليمان الحلاق..).


دمشق المدينة تبدو كالأرملة التعسة، تحاصرها العيون، وتلاحقها الشائعات بعد أن مات عنها زوجها، ودمشق تجلس كابية حزينة تجترّ الآلام، ويمضّها الملل، ويؤرقها الضياع والفراغ، ولذلك كان حادث اختفاء البادري توما وخادمه إبراهيم عمار فرصة تشغل الأذهان، ووسيلة لقتل الوقت والتغلب على الفراغ المميت. ففي اليوم التالي –الخميس- كان الدكتور مساري، وهو من الشخصيات الأجنبية المرموقة في دمشق، يجلس في منزله انتظاراً لعدد من الرهبان وعلية القوم، فقد أعدّ لهم وليمة فاخرة ظهر ذلك اليوم، وحضر الجميع ولم يبق إلا البادري توما.. وحان وقت الغداء لكن البادري لم يحضر، ولم يبعث باعتذار رقيق كعادته.. بل لم يعثر له على أثر، وهنا لعب الشك بالنفوس، وعم القلق جميع الحاضرين، وليس عجباً أن يحدث أي شيء في مثل تلك الأيام، هذه الفترات العصيبة من حياة الشعب تكتظ بالمفارقات الغريبة، وتحدث فيها العجائب، وتكثر الانحرافات، وصاح الصيدلي (سانتي):

- (أيها الرجال، الأمر خطير ولا يمكن السكوت عليه).

وتهامس الحاضرون، ثم علا نقاشهم حتى تحول إلى ضجيج واضح، وقال الدكتور مساري وقد انتصب شاحب الوجه:
- (شهد البعض أن آخر مرة رأوه فيها كان في حارة اليهود..).

وأدرك الجميع ما يهدف إليه السنيور، فرد أحدهم على الفور:
- (ماذا أقول؟؟ الشبهات تحوم حول اليهود..).

وقال آخر:
- (لا نتعجل في الاتهام..).

وعلّق رجل طاعن في السن:
- (اثنان من اليونانيين شاهدا خادم البادري يهرول إلى حارة اليهود عند الغروب وقد أخبرهما أنه يبحث عن سيده.. والخادم اختفى هو الآخر..).

قال الدكتور مساري:
- (لنرفع الأمر إلى القنصلية الفرنسية، فالبادري تحت حمايتها ويحمل الجنسية الفرنسية..).




حينما بلغ النبأ مسامع القنصل الفرنسي، كان قد انتشر بين أبناء المدينة كلهم، وحدث هرج ومرج، وتدفق الناس من كل صوب نحو دير البادري، وأخذوا يلقون الكلمات جزافاً، وأشارت أصابع الاتهام نحو حارة اليهود (هذه الحارة دولة داخل الدولة)، (هذه الحارة بحر عميق من الأسرار)، (هل نسيتم المذابح التي يقيمها اليهود من آن لآخر باسم الدين؟؟),


وأمر القنصل الفرنسي أحد الرجال أن يصعد سلماً خارجياً ويتخطى جدار الدير الذي يسكنه البادري، ودهش الجميع إذ وجدوا أن الباب لم يغلق بالمفتاح وإنما بالمزلاج الصغير، كما وجدوا طعام العشاء مجهزاً في المطبخ بجوار الكانون، وليس لذلك سوى معنى واحد وهو أن البادري وخادمه كانا قد اتفقا على سرعة العودة لتناول طعام العشاء المعد.. وجال القنصل ومن معه في أنحاء الدير فلم يجدوا أي مظهر من مظاهر الاضطراب أو العبث.. كل شيء في مكانه: الأثاث.. الكتب.. الطعام.. الأدوات.. المال.. الملابس، إذن لم تحدث سرقة أو مجرد محاولة للسرقة. وصاح رجل:

- (أقسم أن البادري وخادمه قد قتلا..).

ورد عليه آخر:
- (ولم يفعلها سوى اليهود).




ووقف أحد الرهبان من (دير تيرسانت) وأخذ يشرح للحاضرين كيف أن اليهود كانوا يشترون الأسرى المسيحيين من الفرس الذين غزوا القدس على أيام (هرقل) ملك الروم، وكيف أنه في أيام السلطان سليم الثالث اختطف اليهود طفلاً يونانياً وذلك لاستنزاف دمه، وثبتت ضدهم التهمة باعترافهم، وشنق ستون منهم.. وعلق كل عشرة في شارع من شوارع المدينة.. وحدث مثل ذلك في إنجلترا. وفي فرنسا ارتكبوا جريمة مماثلة، وقد حضر ملك فرنسا آنذاك (فيليب أوغسطوس) وأشرف على التحقيق، وبعد ثبوت التهمة أصدر حكمه بحرق المتهمين، وأصدر مرسوماً بطرد جميع اليهود من فرنسا.. وأيضاً حدث شيء من هذا القبيل في ألمانيا.. فالقصة أيها الأصدقاء قديمة ومكررة وهي من صميم شعائرهم التي ابتدعها حاخاماتهم وأحبارهم وأثبتوها في التلمود، ولا تنسوا أن عيد اليهود قد اقترب، وفي هذا العيد يفكرون دائماً في الفطير المقدس المعجون بدم المسيحيين..

وصرخ البعض احتجاجاً واستهوالاً للبشاعة، وسأل واحد من المسلمين:
- (أيها الأب.. ألا يفعلون ذلك بالمسلمين أيضاً؟؟).

هزّ الأب رأسه قائلاً:
- (بعض شراح التلمود يزعمون أنه يجوز سفك دم المسلمين، وحجتهم في ذلك أن كثيراً من المسيحيين دخلوا الإسلام..).

وابتلع الراهب ريقه وقال في انفعال:
- (إن شعائرهم تفضل الذكر على الأنثى في مسألة الدم، ويفضلون الطفل عمن عداه، ويعتقدون أن في الدم المسيحي خلاصاً لنفوسهم..).

وقال رجل سوري تلقى تعليمه الديني برواق (الشوام) بالأزهر الشريف:
- (عندي بذلك علم.. فاليهود يفعلون ذلك كثيراً.. لكن يجب ألا نتعجل في نشر الاتهام..).

فهاج عدد من الحاضرين وصرخ أحدهم:
- (يا مولانا، لقد أجمع الشهود على رؤية البادري وخادمه لآخر مرة في حارة اليهود..).

- (لا تصدروا حكماً إلا بعد التحري والدقة.. هكذا يكون العدل).

وصاح شاب مسلم:
- (لا عدل مع من لا يعرفون العدل..).



وتحرك الجمع الصاخب نحو المدينة، وساد الذعر جنبات حارة اليهود، وأقسموا الأيمان المغلظة بأنهم لا يعرفون شيئاً عن البادري أو خادمه، وإنما الرجل المفقود صديقهم الحميم، وهم يحبونه أعمق الحب، بل تطوع أحدهم برصد مكافأة مقدارها خمسون ألف قرش لمن يظهر البادري أو يدل عليه حياً أو ميتاً.. ولجأ اليهود إلى المسؤولين يطلبون الحماية، وينفون التهمة بشدة، ويؤكدون أن هناك بعض المغرضين الذين يريدون إثارة الفتنة بين الناس، ويهدفون إلى إشاعة الاضطراب والفوضى في أرجاء المدينة، لكن قنصل فرنسا كان له رأي آخر، فقد كتب مذكرة ضافية عن ظروف اختفاء البادري وخادمه، واتهم اليهود صراحة بأنهم هم المسؤولون عن اختفاء الرجل، ورفع هذه المذكرة
الضافية إلى (شريف باشا) والي دمشق الذي أمر على الفور بأن يذهب (التفتيشجي) باشا إلى حارة اليهود ليبحث عن المفقودين، وأعطاه الصلاحيات الكاملة لدخول أي مكان..

انسكبت الدموع من عيني اليهودي الصالح (داود):

- (لا أستطيع أن أصدق أن يكون البادري قد أصابه سوء.. إنه آية من آيات المحبة والنبل والوفاء، ولا تجرؤ يد أن تمتد إليه بأذى..).


ولم يسفر البحث والتقصي عن العثور على شيء، وأخذ الناس يضربون كفاً بكف، بينما لجأ اليهود إلى بيوتهم خوفاً وهلعاً، حتى تنجلي الغمة ويسود الأمن والهدوء، وخاصة أن بعض المتحمسين من شباب المسيحية والإسلام قد هددوا بالانتقام.


تنهد داود هراري في ارتياح حينما وصل إلى بيته وأمر خادمه مراد الفتال بأن يحكم إغلاق الباب، وأن يظل يقظاً لأية حركة، مخافة أن يدهمهم أحد المعادين على حين غرة، وطلب منه أن يقف خلف الباب لا يغادره لأي سبب من الأسباب، وأقبلت كاميليا يفوح من أردانها العطر، وتواكبها الفتنة الطاغية، وقميص النوم الوردي يكشف عن مفاتن جسدها المثير، وجلست أمام داود على السرير الموشى بالفضة المغطى بالحرير، ثم أعطته ظهرها وألقت برأسها على صدره، وأخذت تعبث بشاربه، كان في غاية من الضيق لا مثيل لها، ولما لم يستجب لمداعبتها وعبثها همست بصوت حنون:
- (هل أصب لك كأساً من الخمر..؟؟).

- (لا أريد شيئاً..).

- (إذن قبّلني..).

أراد أن يسكتها، فطبع قبلة باردة على جبينها.

- (يا لك من رجل غريب الأطوار.. أنا لست طفلة.. أنظر إليّ جيداً..).

دفعها عنه بهدوء وتمتم:
- (ليس هذا وقته..).

- (متى نأكل الفطير المقدس؟! إن ثقتي بمفعوله السحري لا حد لها..).

هب واقفاً وصرخ:
- (لا تذكري هذا الأمر..).

- (ما الذي يكربك؟؟ قريباً تخفت الضجة.. وينسى الناس كل شيء.. عندئذ يعود إليك شبابك..).

قال في ضيق:
- (أنت تتكلمين في جرأة وقحة..).

- (أنت زوجي..).

- (الزمي جانب الأدب..).

- (ألا يحق للزوجين أن يتبادلا عبارات الغزل..).

تمتم ببيت قديم شهير من الشعر العربي:
أبيت أسْري وتبيتي تدلكي
شعرك بالعنبر والمسك المزكي

همست في دلال:
- (أنا لا أحب الشعر.. فلنغرق أسانا في الكأس والعبث..).

دفعها هذه المرة في عنف وقال:
- (إليك عني.. إن جفوني لم يقربها النوم ليلة أمس.. وأنت كنت تغطين في نوم عميق..).

تمتمت في غيظ:
- (مسكين، ليتك مثلي تعيش لحظتك الراهنة وتنسى ما عداها.. بذلك نسعد بحياتنا).

لشدّ ما يكره كاميليا الآن، ليس لوجودها معنى، هي في واد وهو في واد آخر، هي تضج أنوثة وحيوية وتعيش كالسكرى، وهو يتمزق وهناً وقلقاً كمداً، إنهما غريبان يفصل بينهما صحارى واسعة من فارق العمر، والاهتمامات والآمال، لكنه جاهد غضبه وحاول أن يسترضيها فقال:

- (يا حبيبتي.. إن الأمر خطير.. إنني أعاني من الهموم ما لا يطيقه بشر.. فلتحترمي أحزاني وآلامي.. وأمامنا فسحة من الوقت بعد ذلك..).

وقبل أن تجيب عليه بكلمة سمع صوت هارون هراري ينادي:
- (داود.. داود.. الكارثة على الأبواب..).

وثب من فوق سريره، وفتح الباب ووقف شاحب الوجه، قلق النظرات، وهمس في ضعف:
- (ماذا جرى؟؟).

قال هارون:
- (لقد قبضوا على سليمان الحلاق وساقوه إلى التحقيق..).

صرخ داود في ذعر:
- (مستحيل كيف تسرب الأمر..؟؟).

- (إلى أين..؟؟).

- (يجب أن نواجه الكارثة لنقضي عليها قبل أن تطبق علينا بجناحيها السوداوين..).

- (ماذا ستفعل..؟؟).

- (سأتصل بسليمان وأمنيه الأماني وأؤكد عليه بألا يعترف بشيء مهما كان الأمر..).


تنهدت كاميليا في ارتياح بعد أن خرج زوجها، وابتسمت وسرت قشعريرة في بدنها وهي تفكر في الخادم مراد الفتال.

قال حاذق بك المشرف على التحقيق في قضية اختفاء البادري توما وخادمه:

- (إن أمامنا خيط رفيع قد يوصلنا على الجناة، ونرجو ألا ينقطع.. إنه مجرد بصيص من النور قد يلقي ضوءاً على الفاعل.. لقد لا حظنا أن إعلانات المزاد التي كان يلصقها البادري بنفسه يوم الأربعاء الماضي موجودة في كثير من الأماكن وخاصة الكنائس منذ يوم الأربعاء، لكن يوجد إعلان لم يلصق إلا بعد يومين على باب سليمان الحلاق اليهودي، الذي يقع محله بجوار الكنيس اليهودي، فلماذا تأخر وضع هذا الإعلان بالذات؟؟ لا تسخروا مني، فإن أول الغيث قطر ثم ينهمر، اقبضوا على سليمان الحلاق وأحضروه إليّ على الفور دون أن يشعر بذلك أحد..).


حينما دهموا سليمان في محله، كان يحلق للزبائن في هدوء غريب، لم يكترث لما يراه، وعندما قال له (التفتيشجي): (تعال معنا) أظهر استغراباً ودهشة، ليس الأمر إذن مجرد تدقيق عابر، لماذا اختاروه هو بالذات؟ هل فعلها أحد الخونة ووشى به؟ مستحيل.. إن انكشاف الأمر يعني الخراب والدمار بالنسبة للجميع، سوف يساق الحاخامات وأسرة هراري إلى الجحيم.. لا.. قد يكون هناك مجرد شك، والحلاق معروف بأن محله مأوى للكثيرين (ربما استدعوني ليعرفوا الشائعات التي تتناثر هنا وهناك، أو لعلهم ظنوا أن حلاقاً مسكيناً مثلي، يستطيعون الضغط عليه، والحصول منه على معلومات، وهذا أمر بسيط، أستطيع أن ألعب بهم أو أدعي البلاهة مادام المحققون لا يملكون أدنى دليل ضدي..).

ومع ذلك الاطمئنان الظاهري الذي حاول به سليمان أن يهدئ من روعه إلا أنه كان يسير في الطريق كالمنوم أو المخدّر، عيناه زائغتان وقدماه تتعثران في الطريق الطويل، وقلبه يضرب في عنف، حتى يكاد الرائي أن يشهد الضربات تحت ثيابه، وأنفاسه لاهثة، وشعور بالاختناق يطبق على صدره وحنجرته، حاول أن يتحدث بأي كلام، فاحتبست الكلمات في حلقه، وأخذ يبتسم في بلاهة تثير الشك والريبة..


وحضر الوالي شريف باشا بنفسه، وأحضروا له سليمان الذي أنكر علمه بأي شيء..

- (ما هي معلوماتك يا سليمان عن الإعلان؟).

- (الأب توما وضع إعلاناً على دكاني وانصرف).

- (بأي برشانات ألصقها البادري..؟؟).

- (ببرشان أحمر وآخر ليلكي (بنفسجي غامق)).

- (كيف عرفت هذه الألوان مع أنها تحت الورقة؟؟ ولماذا وُضع الإعلان في مكان مرتفع؟ وكيف وصل الأب توما لهذا المكان المرتفع؟؟).

قال سليمان وقد داهمه ارتباك ظاهر:
- (كنت أرى المارة يعبثون بالإعلان ويلمسونه، فخفت عليه من التلف والضياع، فأخذته من محله الأصلي وألصقته في مكانه الحالي..).

- (ألا تعلم أن باقي الإعلانات كانت ملصقة بطريقة مغايرة للطريقة التي لصق بها الإعلان على باب محلك..؟؟).

- (كيف؟؟..).

قال شريف باشا:
- (الإعلانات الموجودة على الكنائس الفرنساوية وجدت ملصقة بأربعة قربانات من القربان المستعمل عند الرهبان، والرهبان عادة لا يستعملون البرشان العادي..).

قال سليمان وقد حاصرته التهمة:
- (لا أدري..).

صرخ شريف باشا في غيظ:
- (أنت تعرف الحقيقة..).

- (الحقيقة لا يعلمها إلا الله..).

- (لقد أمرنا الله بالعدل..).

- (أعرف يا مولانا..).

- (وقد أهدر دم رجل بريء صالح دون جريمة ارتكبها..).

- (هذا حرام..).

- (ولا بد أن يظهر الحق..).

- (أتمنى ذلك..).

ودق شريف باشا بقبضته على منضدة صغيرة:
- (نحن مسؤولون عن حماية أرواح الناس ومحاصرة الجريمة..).

- (لقد قلت ما أعرف.. وليس لدي جديد أضيفه..).

سدد إليه شريف باشا نظرات ملتهبة وقال:
- (سنعرف كيف ننطقك بالحقيقة.. خذوه..).


وسيق سليمان إلى الحبس الانفرادي، لكن داود هراري استطاع أن يلتقي به أثناء ترحيله إلى السجن:
- (احذر يا سليمان.. لقد قررنا أن نعطيك مبلغاً كبيراً من المال، تعيش به سعيداً طول حياتك.. ولا تنسَ أن أوامر ديننا يجب أن تحترم.. لا اعتراف حتى لا يعاقب اسرائيلي، أنت تعرف ذلك..).



حينما جلس سليمان الحلاق وحيداً في زنزانته المظلمة حط على قلبه حزن ثقيل، الوحدة والانتظار والخوف تحالفت كلها لسحق مشاعره، وطمس معالم المستقبل أمامه، شعر بضيق بالغ، تذكر بيته وزوجه وأبناءه وأباه، تذكر اللحظات الهنيئة التي يقضيها في محله يحلق الشعر أو يفصد الدم وتساءل بينه وبين نفسه: لماذا لا تكتفي الديانة بالدم المفصود بدل القضاء على الضحية..؟؟.

الأخطر من ذلك كله أن نوازع من الشك أخذت تراود خياله، بدأ يشك في صحة كلام الحاخامات وصحة شروح التلمود، ها هي عقيدته تتزعزع.. لا.. يجب أن يتماسك ويكون مثالاً لليهودي الثابت على مبدئه، يجب أن يصمد للفتنة ويواجه العاصفة بقلب مؤمن، إذا كانت ديانته على حق فإن الله سيحميه وينصره، ومع ذلك فإن الشك يراوده، وبدا الكفاح من أجل مبادئ التلمود أمراً هزيلاً، بل حماقة كبرى، إن العبء ثقيل والتضحية باهظة التكاليف، وسليمان يريد أن يعيش، لماذا دس أنفه في مشكلة كهذه؟؟ آه.. نظرات القس الذبيح تطالعه الآن في ظلام الزنزانة.. في العيون ضراعات قاتلة، يا إلهي!! والرجل شاحب الوجه يستنجد بالمروءة ولا أحد يجيبه، يا إلهي.. كان استسلام القسيس رهيباً.. ما أقسى استسلام الضعفاء حينما يساقون إلى الموت ظلماً.. وأخذ سليمان يتلفت في الزنزانة يمنة ويسرة.. يحاول أن يهرول من الأشباح التي تملأ عليه أفقه الأسود.. (أيها الأب توما.. أنا لم أرد أن أسيء إليك.. لا تنظر إليّ هكذا.. أنا عبد أنفذ ما يأمرني به كبار الرجال.. قرأوا لي في التلمود.. حشوا رأسي بالكلمات المقدسة، وأنا إنسان جاهل.. فقير مسكين..).
انتبه سليمان إلى نفسه، إنه يهذي، أحياناً يتكلم بينه وبين نفسه، وأحياناً أخرى يرتفع صوته على الرغم منه، تحسس الجدران الباردة، ووضع خدّه على الأرض، ثم أخذ يدق الأرض ويدق رأسه في هيستيرية ويصرخ:
- (أنقذوني.. أكاد أموت.. الرحمة).


قدم السجان، نظر إليه بعينين يتقد منهما الشرر.. وللسجان سحنة متميزة لم يعرفها سليمان من قبل، ركله السجان في غلظة ثم هدر:
- (لا أريد أن أسمع صوتك.. أتفهم..؟؟).

انكمش سليمان كفأر مذعور.. رفع عينيه في ضراعة ثم هتف:
- (أليس لك أولاد؟).

- (أتريد أن تذبحهم؟؟).

- (أنا مسكين، أنا لم أرتكب جريمة..).

انحنى السجان صوبه، أمسك بكتفيه ثم جره خارج الزنزانة:
- (خير لك أن تعترف.. أنا أعرف جيداً كيف أقنعك بقول الحقيقة.. وشريف باشا وعد بالعفو عنك إذا اعترفت.. سيكتب لك (فرماناً) بذلك.. إنها صفقة رابحة.. ولا بد يوماً ما أن تعترف، ولكن الاعتراف اليوم له قيمة.. وغداً لا قيمة له.. أنت ذكي وتفهمني).

أحنى سليمان رأسه وقال:
- (لا أستطيع الصبر.. لا أستطيع..).


الخديعة الكبرى التي وقع فيها سليمان هو أنه كان يظن أن النجاح كان حليفه، ولن يستطيع أحد أن يميط اللثام عن الجريمة، وكيف لا يطمئن باله وهو يرى أنها دبرت بليل، وأشرف عليها جمهرة من كبار رجال الدين والمال، وأن آثارها قد عفي عليها تماماً؟؟ فهو لم يشارك في الجريمة شجاعة منه أو استهتاراً بما يتبعها من نتائج، وإنما شارك ثقة منه في عدم القدرة على اكتشافها، أما وأن أصابع الاتهام تشير إليه والشبهات تحاصره من كل جانب، والدائرة تضيق من حوله، فلابد أن يفكر تفكيراً عاقلاً رزيناً، فالزنزانة شديدة السواد مخيفة، والوحدة قاتلة، وهو يخاف عيون السجان ونظراته القاسية، وثقته في كلمات الحاخامات أصبحت ضعيفة، واحتماؤه برجال المال – ذوي السلطة والنفوذ – لم تعد ذات جدوى، فلماذا لا يفكر بمنطق التاجر؟ لماذا لا يفكر في مصلحته الذاتية دون اعتبار للواجبات الدينية أو علاقات الصداقة؟؟


قال سليمان حينما أحضروه أمام المحقق:

- (لقد رأيت الأب توما عند العصر يسير مع داود هراري وأخويه هارون وإسحاق، ويرافقهم يوسف لينيادو والحاخام موسى أبو العافية والحاخام سلانيكلي.. وكانوا جميعاً داخلين في شارع الثلاج المتفرع من حارة اليهود حيث يوجد منزل داود، ويستطيع الباشا أن يستحضرهم لكي أعترف أمامهم بذلك، وأواجههم بالحقيقة، وقد مر هنا منذ فترة وجيزة (إسحاق بتشوتو) صديق آل هراري، وهو تحت الحماية النمساوية، وسألني هل اعترفت بشيء؟ لما أجبته سلباً قال لي: (سأتوسط في خلاصك) وتركني ومضى.. ولو كنت أعلم أن مواعيده مواعيد عرقوب لكنت اعترفت فوراً..).


كان هذا الاعتراف، على الرغم من أنه لم يكن كاملاً، ذا أهمية بالغة، إن الحقيقة ستتكشف رويداً رويداً، وصدر أمر الباشا باستدعاء الأشخاص الذين ذكرهم سليمان الحلاق، وكانوا في رفقة البادري المفقود.. أبدى داود دهشته حينما رأى رجال الدولة، وعلى رأسهم (التفتيشجي باشا) يطرقون بابه، وتمتم في شحوب وهو يسرع بارتداء ملابسه:

- (يا للكارثة؟ يبدو أن سليمان قد انهار).

ونظرت إليه زوجه كاميليا في رعب وهتفت:
- (ما معنى ذلك؟؟).

- (اتهام..).

- (شبهة أم اتهام؟!).

- (من يدري؟ قد تكون تحرياتهم قد أثبتت أن البادري كان يسير معنا، وفي مثل هذه الحالة يكون الإفلات سهلاً.. فنحن جميعاً متفقون على الإنكار..).

قالت كاميليا والدموع تبلل أهدابها:
- (ومتى ستعود..؟؟).

تنهد في حسرة وهمس:
- (ليتني أعلم..).

تشبثت بأذيال ثوبه، وأخذت تقبل وجهه وعنقه ويديه ثم صرخت:
- (لن أتركك.. لسوف آتي معك..).

استنكر كلماتها وهتف:
- (مستحيل.. ماذا يقول الناس؟؟).

- (كيف أحيى بدونك..؟؟).

- (نحن لم نرتكب خطيئة، لقد نفذنا أوامر الديانة.. ولن يتخلى عنا الله..).


كان يعزي نفسه في الحقيقة، بل يحاول جاهداً أن يقهر عوامل الضعف والخوف والندم التي أخذت تشيع في جنبات قلبه وعقله، تماماً كما حدث لسليمان وهو في زنزانته المظلمة، إنها لحظات تصيب الكثيرين من رجال العقائد عندما يتعرضون لهزات عنيفة، أو زلزلة قوية، فتجعلهم يعيدون النظر فيما يؤمنون به، وهم في هذه الأوقات يحاولون التشبث بمبادئهم على علاتها، الخاطئ منها والصحيح، لأنهم يشعرون في داخلهم أن نذر التردد والشك تداهمهم فجأة..

وتمتم داود:
- (يجب أن يختفي مراد، وليته يستطيع الهرب.. إنني لا أثق في الخدم، وهم سريعو الانهيار.. مثله مثل سليمان حسبما أعتقد.. يجب أن تهتمي بذلك يا كاميليا..).

قالت في ثقة:
- (اطمئن.. سأخفيه ولن يعثر عليه أحد إلا بأمرك).




وما أن انصرف داود مع (التفتيشجي) حتى أسرعت كاميليا باستدعاء مراد الفتال، كانت تجفف دموعها، وتشعر، رغم كل شيء، بمرارة شديدة من أجل زوجها المسكين، إنها تكره في زوجها أشياء كثيرة، لكنها في هذا الوقت بالذات شعرت أنه زوجها وأبو أولادها، وعماد بيتها، هناك نوع من الرابطة لا يموت مهما اختلفت الأمزجة، وتضاربت المشاعر بين الزوج وزوجه، لقد رأت زوجها يمضي ذليلاً خائفاً وسط رجال (التفتيشجي)، فتمزق قلبها ألماً وحسرة، كاميليا لا تفهم تفسيراً لما يعتمل في نفسها، ومن ثم فهي تترك مشاعرها تنطلق حسب هواها.




قال داود هراري عندما وقف أمام الباشا:
- (لم أنظر الأب توما منذ شهرين أو ثلاثة، وليس من عادتي الاختلاط بهؤلاء الخواجات.. منزلي فعلاً في شارع الثلاج ولكني لا أعرف شيئاً عن ذلك اللقاء المزعوم..).

أما يوسف لينيادو فقد تلعثم قليلاً ثم قال:
- (كنت في منزلي ولم أخرج إلا يوم الخميس قرب الظهر، لأن ابنتي توفيت منذ خمسة عشر يوماً، وعادتنا ألا نخرج من منزلنا مدة سبعة أيام، عند وفاة أحد أقاربنا، وبناء على ذلك فأنا لا أعلم شيئاً عما أسأل عنه الآن).

أما إسحاق هراري، شقيق داود، فقد قال في ثقة وتأكيد:
- (لا معلومات لدي.. أنا تاجر مشغول بتجارتي.. هي كل شيء في حياتي).

أما العجوز يوسف هراري فقد سعل، ثم قال في وهن:
- (منزل في شارع الثلاج، وأنا لا أخرج إلا نادراً بسبب تقدمي في السن، لم أقابل الأب توما منذ ثلاثة شهور.. آه.. لقد ربيت بين المسيحيين.. ينامون عندي وأنام عندهم.. آكل من طعامهم ويأكلون من طعامي.. نحن إخوة أحباء برغم اختلاف الديانة..).

ورفع الحاخام موسى أبو العافية رأسه في اعتزاز ظاهر وتمتم:
- (لم أقابل أحداً ممن ذكرهم الحلاق منذ ستة شهور، ومن المحتمل أن نكون قد تقابلنا مرة بمحض الصدفة ثم افترقنا، غير أني لا أذكر ذلك مطلقاً.. والإنسان مطبوع على النسيان.. وبخصوص الأب توما فأنا لم أره منذ شهرين تقريباً).

وتقدم هارون هراري قائلاً:
- (منزلي مجاور لقنصلية إنجلترا، ولا أذهب إلى إخوتي في حارة اليهود إلا نادراً، لم أتقابل مع الحلاق منذ ثمانية أيام.. أنا من الأشخاص ذوي السلوك الحميد.. لم أجتمع مع هذه الجمعية، هذه التهمة ملفقة ضدنا.. ربما قال الحلاق سليمان ما قاله مخافة الضرب).

أما الحاخام الثاني موسى سلانيكلي فقد أنكر كل شيء بالكلية..



أكتفي بنقل هذه المقاطع .. وربما يمكن العثور على الكتاب كاملا فلم ابحث عن نسخة له .. نحن بمواجهة القداسة دوماً: كتاب مقدس, فطير مقدس, جنس مقدس .. وربما مقدسات اخرى
ضحكة 1

تحياتي للجميع Rose

xx ضفادع الكتاب المُقدّس .. آنترفون بين موسى وربّه؟! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
21/09/2010, 10:28:31




في سفر الخروج, وبسياق معركة قائمة بين الفرعون وموسى واتباعه, حيث تُدار هذه المعركة عبر البرقيات المتبادلة بين الله او يهوه وبين موسى, نقرأ الآتي:


قال الرب لموسى ادخل إلى فرعون و قل له هكذا يقول الرب اطلق شعبي ليعبدوني 8: 2 و ان كنت تابى ان تطلقهم فها انا اضرب جميع تخومك بالضفادع 8: 3 فيفيض النهر ضفادع فتصعد و تدخل إلى بيتك و إلى مخدع فراشك و على سريرك و إلى بيوت عبيدك و على شعبك و إلى تنانيرك و إلى معاجنك 8: 4 عليك و على شعبك و عبيدك تصعد الضفادع 8: 5 فقال الرب لموسى قل لهرون مد يدك بعصاك على الانهار و السواقي و الاجام و اصعد الضفادع على ارض مصر 8: 6 فمد هرون يده على مياه مصر فصعدت الضفادع و غطت ارض مصر 8: 7 و فعل كذلك العرافون بسحرهم و اصعدوا الضفادع على ارض مصر 8: 8 فدعا فرعون موسى و هرون و قال صليا إلى الرب ليرفع الضفادع عني و عن شعبي فاطلق الشعب ليذبحوا للرب 8: 9 فقال موسى لفرعون عين لي متى اصلي لاجلك و لاجل عبيدك و شعبك لقطع الضفادع عنك و عن بيوتك و لكنها تبقى في النهر 8: 10 فقال غدا فقال كقولك لكي تعرف ان ليس مثل الرب الهنا 8: 11 فترتفع الضفادع عنك و عن بيوتك و عبيدك و شعبك و لكنها تبقى في النهر

للآن قرأنا برقيات الله الى موسى ... ولنقرأ برقية موسى لله .. الذي لا يلبث ان ينفذها بالطبع:

8: 12 ثم خرج موسى و هرون من لدن فرعون و صرخ موسى إلى الرب من اجل الضفادع التي جعلها على فرعون
8: 13 ففعل الرب كقول موسى فماتت الضفادع من البيوت و الدور و الحقول 8: 14 و جمعوها كوما كثيرة حتى انتنت الارض

من قال ان اختراع الآنترفون: حديث .. فقد بدأ مع موسى وإلهه!! ضحكة 1


بامكانكم متابعة باقي السفر حول البعوض وغيره .. قصص مثيرة حقاً , هنا:

http://ar.wikisource.org/wiki/%D8%B3%D9%81%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B1%D9%88%D8%AC


blue_face

xx بعض المعلومات عن البُهرة - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
02/06/2010, 01:29:49

زعيم البهرة مع الرئيس اليمني .. ؟!!! باي



التقديس .. نغمة متطابقة عند كل الاديان واشتقاقاتها على ما يبدو!! ضحكة 1




تعرف طائفة البُهرة ـ بضمّ الباء وتسكين الهاء ـ بأنها طائفة شيعية انشقت عن الاسماعيلية وهم أصلاً من الفاطميين الشيعة الذين كانوا يعيشون في مصر ابان العصر الفاطمي، وعندما انتهى العصر الفاطمي هاجر الكثيرون من مصر ليحتموا من البطش الذي لحق بهم من الدولة الأيوبية، وانتقلوا من بلد الى آخر حتى استقر بهم المقام في جنوب الهند، واندمجوا في المجتمع الهندي الذي يتسم بالتسامح وتعدد الأديان، كما أن لهم تاريخاً عريقاً في اليمن في حراز وهناك الحطيب المبارك يوجد فيه قبة سيدنا حاتم محي الدين. والبُهرة فرقة باطنية تفرّعت من الاسماعيلية المستعلية وهم يعترفون بالإمام المستعلي ومن بعده الآمر ثم ابنه الطيب ولذا يسمون بالطيبية. وهم اسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بتجارة البهارات ووصلوا الى الهند وانتشر فكرهم الشيعي فيها وفي بنغلاديش وباكستان واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعُرفوا بـ البُهرة، البُهرة لفظ هندي تعني التاجر في اللغة الكجراتية الهندية. وهي من الطوائف المسالمة المتسامحة ولا يتدخلون في الأمور السياسية ويعملون بالتجارة ويهتمون بالمشاريع الخيرية والخدمية.

يوقر البهرة زعيمهم بشكل كبير ويزيد توقيرهم عن توقير السنة للمشايخ أو الأزهريين المعممين، ويسمونه محمد برهان الدين. يتسم البهرة بوحدة الزي للنساء كما أن هناك زي موحد للرجال، ويتميزون بأنهم مسالمون ولا يختلطون كثيراً إلا مع أتباع طائفتهم وإن كان الاختلاط لا يمكن تجنبه نظراً لعملهم بالتجارة.

يقوم أعضاء الطائفه بجمع مبلغ شهري من كل الأعضاء للإنفاق على المشاريع المشتركة وذلك يعتبر مصدر التمويل. تعتبر هذه الطائفه من الطوائف الدينية التابعون لسلطانهم وتعتبر من المضللون. يشار إلى أن البهرة طائفة دينية شيعية يصل عدد أتباعها في العالم إلى مليون ونصف المليون شخص مركزهم الرئيسي في بومباي ويتواجد غالبيتهم في اليمن والهند ويحرصون على إقامة علاقات جيدة مع الحكام‏.

وفي كل عام يتوافد عشرات الآلاف من أتباع البهرة "الداؤوديين" إلى منطقة حراز التي تبعد عن صنعاء بحوالي ‏90‏ كم لزيارة ضريح حاتم محيي الدين يحملون سلطانهم الدكتور محمد برهان الدين فوق حمالة خشبية لكبر سنه حيث وان عمره 99سنه.

وكان الرئيس علي عبد الله صالح قال في حوار صحافي اجري معه في وقت سابق حينما سُئل عن زيارة السلطان برهان الدين لليمن وطائفة البهرة "إن أبناء هذه الطائفة يأتون إلى اليمن من وقت إلى آخر وهم لا يشكلون أي خطر لا على المجتمع ولا على النظام ولا على الدولة.. وهم يأتون للزيارة والسياحة وزيارة أحد القبور في حراز، فإذا كنا نستقبل السياح من فرنسا وأميركا واليابان ودول أخرى غير مسلمة ونوفر لهم الرعاية والحماية وهم طائفة مسلمة لا تشكل أي خطر ولن نسمح لأحد بأن يمسهم بأي أذى".

وتتمتع تلك الطائفة - شأنها شأن غيرها من العديد من الطوائف الدينية الموجودة على الساحة اليمنية- بحرية كفلها الدستور، ولهم علاقات طيبة مع الحكومة، وعلى رأسها الرئيس على عبد الله صالح نفسه، الذي منحته الطائفة أصواتها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وساهمت بأموالها في جزء من الحملة الدعائية التي رافقتها.


·  صفات البُهرة:


يوقر البُهرة زعيمهم جداً ويُدعى السلطان محمد برهان الدين. وسلاطين البُهرة هم النواب ورتبتهم الدينية هي رتبة الداعي المطلق، وهم دون الائمة رتبة، والعُصمة للإمام ومن ينوب عنه من الدعاة. وهم يدينون بالمذهب الاسماعيلي، ولكنهم أكثرهم اعتدالاً وهم في عبادتهم لا يختلفون عن الإمامية في شيء.


الا أنهم يختلفون مع الشيعة الإمامية في قضية الإمامة. وهم يعترفون بستة من الائمة الاثني عشر فقط من الإمام علي حتى جعفر الصادق، ويأخذون بقية أئمتهم من سلالة اسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق الذي توفى في حياته. ولذلك سُمّيت الطائفة بالشيعة الاسماعيلية تمييزاً لها عن الشيعة الإمامية التي تعتقد بوصية الإمام جعفر لابنه موسى الكاظم الإمام السابع الذي لا تعترف به الاسماعيلية. ويعتقدون أيضاً بأن الإمام الذي اختفى هو الطيب، وحين انتهى عمره الطبيعي خلفه ابنه اماماً، وهكذا فهم يعتقدون ان الإمام لا يعيش فوق عمره الطبيعي، وذاك يختلف عن الشيعة الاثني عشرية.


 وقد انقسمت البُهرة إلى طائفتين هما:


·  الداودية نسبة الى قطب شاه داوود وينتشرون في الهند وباكستان ومصر وداعيتهم يقيم في بومباي في الهند.


·  السليمانية نسبة الى سليمان بن حسن وهؤلاء مركزهم في اليمن.


كما يتسم البُهرة بوحدة الزي للنساء والرجال وهم لا يختلطون كثيراً إلا مع أتباع طائفتهم وإن كان الاختلاط لا يمكن تجنبه نظراً لعملهم بالتجارة، وهم يسيرون جماعات ويمسكون بالمصاحف في أيديهم والنساء يرتدين الحجاب.


يقوم أعضاء الطائفة بجمع مبلغ شهري من كل الأعضاء ـ نسبة الخُمس ـ للإنفاق على المشاريع. وهذا يعتبر مصدر التمويل، ويعرفون بالثراء بسبب عملهم بالتجارة، ويصل عددهم إلى مليون ونصف مليون شخص.


يشتهر البُهرة بأنهم لا يقيمون الصلاة في مساجد عامة المسلمين بل لهم مساجدهم الخاصة، أما اركان الاسلام عندهم سبعة فهي الشهادة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، الولاية، والطهارة وتتضمن تحريم الدخان والموسيقى والأفلام. وهم في صلواتهم يجمعون بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولا يصلون الجمعة بل يصلونها ظهراً يصلون العيد بدون خطبة أربع ركعات ويقدسون مأساة كربلاء لمدة عشر أيام ويحتفلون بيوم غدير خم في يوم 18 ذي الحجة، حيث تمّت الوصاية للإمام علي، يصومون فيه ويجددون العهد للداعي المطلق والدعاة المبايعين وهم نوابه في الأقاليم. وأتباع الداعي يطيعونه طاعة عمياء وهناك عهد قديم بالولاء للامام الطيب والإمام المنتظر والداعي المطلق عندهم معصوم في كل تصرفاته كما سلف.


انتشار البُهرة


ينتشر البُهرة في أماكن عدة أهمها الهند ودول الخليج العربي ورجعوا إلى مصر في أواخر السبعينيات في عهد الرئيس السادات وبدأ عددهم في الازدياد في فترة الثمانينيات. وقد اتجه البُهرة فور وصولهم الى مصر الى مسجد الحاكم بأمر الله المسمّى بالأنور المجاور لباب الفتوح، واهتموا بالمراقد والآثار الفاطمية وعملوا على ترميمها وتجديدها ولم تقتصر هذه الترميمات فقط على الآثار الفاطمية بل امتدت الى كل مراقد آل البيت مثل مرقد السيدة زينب ومقصورة رأس الإمام الحسين وقبر مالك الأشتر الذي دفن الى جواره مؤخراً شقيق شيخ البُهرة.


كما أنهم يمارسون شعائرهم بحرية في مسجد الحاكم بأمر الله وهم لم يكتفوا بالاقامة في القاهرة الفاطمية بل اتجهوا الى اقامة المشاريع التجارية خاصة في شارع المعز لدين الله الفاطمي. ويتوافد البُهرة على مصر بعد أن اختفوا طيلة الثمانية قرون الماضية.


في كل عام يتوافد عشرات الآلاف من أتباع البُهرة الدواديين الى منطقة حراز باليمن لزيارة ضريح حاتم محي الدين يحملون سلطانهم الدكتور محمد برهان الدين فوق حمّالة خشبية لكبر سنه.


تتمتع طائفة البهرة في دول العالم الإسلامي بحرية ممارساتها الدينية، لأنها لا تشكل اي خطورة سياسية وتبتعد تماماً عن مزاولة السياسة ولا تعمل بها.


 مقال للسيدة منى عثمان جلال

****************************************

معلومات اضافية عن تلك الجماعة من ويكبيديا:

يذهب أحد الأقوال في نشأة وتطور طائفة البهرة، أنهم أصلاً من الفاطميين الشيعة الذين كانوا في مصر إبان العصر الفاطمي عندما انتهى العصر الفاطمي هاجر الكثيرون من مصر وانتقلوا من بلد إلى أخر حتى انتهى بهم المقام إلى جنوب الهند.

واستقروا بها واندمجوا في المجتمع الهندي الذي يتسم بالتسامح وتعدد الأديان، ومع انفتاح دول الخليج هاجر إليها البهرة للعمل شأنهم شأن بقية الأسيويين وتوجد أعداد كبيرة منهم في الإمارات العربية المتحدة وخاصة في دبي إذ يعتبرونها مركزاً لهم. كما يتواجدون في بقية دول الخليج. كما أنهم لهم تاريخ عريق في اليمن في مسطرد التي تعتبر تابعه لمحافظة صنعاء وهناك الحطيب المبارك يوجد قبة سيدنا حاتم محيي الدين وهذه الطائفه من الطوائف المسالمه والمتسامحه لايتدخلون في الامور السياسية كما أن هذه الطائفه تقوم بإنشاء مشاريع خدميه مثل رصف الطرق في حراز وإنشاء مشاريع المياه وبناء المدارس والمستشفيات وإنشاء مدارس لحفظ القران الكريم يقومون باحياء الليالي الرمضانيه واكثار الصلاة والتعبد في الليالي الفاضله في شهر رمضان المبارك ويقومون بمساعدة الفقراء والمساكين واطعام الناس

بعض ما يؤخذ عليهم من باقي المسلمين


لا يقيمون الصلاة في مساجد عامة المسلمين ولهم مساجدهم الخاصة بهم.
يقال عنهم بين الناس أن ظاهرهم في العقيدة يشبه عقائد سائر الفرق الإسلامية المعتدلة أما باطنهم فشئ آخر فهم يصلون ولكن صلاتهم للإمام الإسماعيلي المستور من نسل الطيب بن الآمر.
ويقال أيضا أنهم يذهبون إلى مكة للحج لكنهم يقولون أن الكعبة هي رمز على الأمام.
يقول الأمام الغزالي عنهم (المنقول عنهم الإباحية المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات واستحلالها وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب ليهم).
يعتقدون بان الله لم يخلق العالم خلقا مباشرا بل كان ذلك عن طريق العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية ويسمونه الحجاب، وقد حل العقل الكلي في إنسان هو النبي وفي الأئمة المستورين الذين يخلفونه فمحمد هو الناطق وعلي هو الأساس الذي يفسر.
أما أركان الإسلام عندهم فهي سبعة هي الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والولاية، والطهارة، وتتضمن تحريم الدخان والموسيقى والأفلام، ويقول الأمير الدكتور يوسف نجم الدين، قولنا بالطهارة احتياط، لأننا في وسط بيئة غير مسلمة بالهند وهم في صلواتهم يجمعون بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولا يصلون الجمعة، بل يصلونها ظهرًا، ويصلون العيد بدون خطبة أربع ركعات، ويقدسون مأساة كربلاء لمدة عشرة أيام، ويحتفلون بيوم "غدير خم" في يوم 18 من ذي الحجة حيث تمت الوصية للإمام علي، يصومون فيه ويُجدِّدون العهد للداعي المطلق في بومباي أو الدعاة المبايعين وهم نوابه في الأقاليم وأتباع الداعي يُطيعونه طاعة عمياء، وهناك عهد قديم بالولاء للإمام الطيب والإمام المنتظر والداعي المطلق عندهم معصوم في كل تصرفاته.
يقول سلمان رشدي مندوب سلطان البهرة في اليمن إنهم لا يسجدون إلا لله ويعتقدون بأن الرسول صلي الله عليه وسلم أقام بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن حينها والإمامة تتوالي من والد إلي ولد من نسله‏.‏
ويؤكد رشدي أن أتباع الطائفة يعرفون أسماء الأئمة حتى الإمام الطيب الحادي والعشرين الذي اختار الستر والمقصود بالستر أنه اختفي لكنه موجود الآن ليس بشخصه فالداعي المطلق السلطان برهان الدين ينوب عنه ويقيم دعوته‏.‏
وتقول المصادر التاريخية إن السيدة أروى بنت أحمد الصليحي زعمت بأنها أخفت الطيب بن الآمر وجعلت نفسها كفيلة ونائبة عنه في تولي شئون الدعوة الإسماعيلية الفاطمية فترة من الزمن إلي أن توفيت ثم تولي بعدها عدة دعاة‏.


الموقع الرسمي لطائفة البهرة الداودية:   http://www.mumineen.org/

مقال في العربية عن البهرة في مصر: http://www.alarabiya.net/articles/2005/06/22/14222.html

البهرة العلوية أحد فرق البهرة أو الإسماعيلية المستعلية وهي الفرقة التي اتبعت الخليفة الفاطمي المستعلي بالله مقابل أخيه نزار بن معد الذي اتبعه النزارية. وبعد غيبة إمامهم الواحد والعشرين الطيب أبي القاسم تولي النيابة عن الإمام الغائب ما يعرف بالداعي المطلق.

في عام 1588 ميلادي بعد وفاة الداعي المطلق داود بن عجب شاه حدث انقسام في هذه الفرقة، حيث انتخب بهرة كجرات _ الذين يشكلون الأغلبية بين أفراد الفرقة _ داود بن قطب شاه خليفة لسلفه، وبعثوا بنص الانتخاب إلى أصحابهم في اليمن. ولقبوا بالداودية

ولكن بعد فترة حدث أن انتخب عدد محدود من أفراد هذه الفرقة، شخصاً باسم سليمان كان يدعي الخلافة الحقيقية لداود بن عجب شاه، وقد عرف بالسليمانية

في عام 1980 م حدث انقسام جديد داخل البهرة الداودية حيث انتخب البعض الداعي المطلق ضياء الدين صاحب ولقبوا بالبهرة العلوية.

وينتشرون حاليا في بعض مدن الهند وهم أقل طوائف البهرة الثلاثة عددا.


موقع رسمي للبهرة العلوية:  http://www.alavibohra.org/

منقول من اكثر من مصدر

lamp قوانين حمورابي وشريعة موسى / الأب سهيل قاشا - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
27/01/2010, 11:01:29





بين العامين 1901 و1902، عثر عالم الآثار دو مورغان في مدينة سوسة مسلّه - طولها 2.25 م محفور عليها، بالخط المسماري، قانون حمورابي. هذا القانون مكوّن من مقدمة وخاتمة طويلتان ومن 282 مادة قانونية. لدى مقارنة نص القانون مع أسفار التوراة فوجئ العالم بمقدار الشبه الكبير بينهما. فقام الاعتراض على أن كاتب القوانين التوراتية لا بد أنه سرق نصوصه من قانون حمورابي، خاصة أن حمورابي يسبق موسى بمئات السنين.


فأصبح من الواضح أن القوانين في التوراة مسروقة عن شعب بابل الوثني على حد تعبير التوراة، فلماذا نسمي قوانين التوراة «نصاً من الوحي الإلهي؟».


أما قانون حمورابي فيبقى فقط «نصاً تاريخياً» يخلو من أي قيمة تاريخية.


قبل الإجابة عن هذا السؤال، لابد من إلقاء الضوء على حمورابي نفسه، وعلى قانونه، ومن ثم، سنظهر أوجه الشبه بين قانونه والتوراة.



من هو حمورابي؟


جلس حمورابي على عرش بابل بحدود العام 1726 قبل الميلاد، وهو في الخامسة والعشرين من عمره. ولما كانت مملكته محاطة بمجموعة الممالك التي قادتها مكتملوا العمر، محنكين بالدهاء مع مرور الأيام.


إلا أن حمورابي كان طموحاً بتوسيع رقعة حكمه ودولته، وجعل بابل عاصمة لإمبراطورية عظمى تمتد على كل بلاد ما بين النهرين. وانتصارات حمورابي المتتالية لم تخل من الصعوبات الخارجية والداخلية أيضاً. فسرعان ما تجمعت ممالك بلاد ما بين النهرين كمملكة لارسا واشنونا وعيلام وآشور وغيرها لتشكل قوة رادعة في وجه أحلام الملك الشاب التوسعية. أما في الداخل فقد اندلعت ثورات عدة ضده وضد حكمه، قام بها أحياناً أهل مدينته بابل أنفسهم، ولكن غالباً ما أتت من قبل المدن التي احتلها حديثاً إذ حاولت مراراً الخروج من سيطرته عليها واستعادة استقلالها. ومع توسع رقعة حكمه المتزايد، أضحى الحفاظ على وحدة الأمبراطورية البابلية الجديدة واستقرارها الداخلي أمراً صعباً، وخاصة أن الوضع الاجتماعي المتردي قد ساهم في إشعال المزيد من الثورات الداخلية المدعومة من أعداء الخارج. فالأغنياء كانوا يزدادون ثراء على حساب الفقراء، والوزراء والموظفون والقضاة كانوا يضعون مصالحهم الشخصية فوق كل اعتبار، حتى أن الكهنة كانوا يستفيدون من سلطتهم لإنجاز مآربهم وللإثراء غير المشروع.


والملك الشاب حمورابي المشغول بحروبه الخارجية علم سريعاً أنه لا بد من إزالة عقبات عدم الاستقرار الداخلي حتى يتمكن من التفرغ لمشروعه الامبراطوري لذلك قرر أن يهتم بالتنظيم الداخلي، وذلك عبر إصدار قانون يمنع الفساد ويؤمن العدل والاستقرار والسلام في البلاد. ويتكلم حمورابي بشكل واضح وصريح عن هذه المشاكل في خاتمة قانونه.


«بفضل السلاح الماضي الذي أعطانيه زيبي واينانا، بفضل الحكمة التي خصتني بها ايا، بفضل القوة التي وهبني إياها مردوخ، لقد أزلت الأعداء في الشمال والجنوب. لقد أخمدت المعارك. لقد أعطيت السعادة للبلاد. لقد أرحت المتمدنين في مراع خضراء، ولم أدع أحد يزعجهم... ولكي لا يظلم الغني الفقير، ولكي أقيم العدل لليتيم والأرملة، ولكي أصدر قوانين البلاد، ولكي أعطي الحق للمظلوم. لقد كتبت كلماتي المهمة على مسلّتي فالمظلوم في قضية ما، ليأت أمام تمثالي «ملك القانون» ليقرؤوا له مسلّتي المكتوبة، وليسمع أوامري المهمة ولتحدد له مسلتي قضيته، ولير حالته وليرتح قلبه. نعم حمورابي هو سيد وهو كأب لحمى الناس».


وهكذا قام حمورابي يجمع مختلف «الاجتهادات القضائية» المنتشرة في أنحاء إمبراطوريته الجديدة، فجمع بينها ونسقها، وأصدر منها مجموعته القانونية في 282 مادة حتى تكون مرجعاً للحكّام والقضاة. ولهذا السبب نقش الملك قانونه على أربعين مسلّة حجرية، وزّعها في كل أنحاء البلاد ليقرأها الجميع، فلا يجد أحد عذراً لعدم تطبيق القانون على أساس أنه لم يقرأه.


وهكذا تمكن حمورابي من التغلّب على كل العراقيل التي اعترضت طريق مشروعه التوسعي. وسرعان ما فرض سيطرته على كل الممالك المجاورة، وأسس بذلك إمبراطوريته المترامية الأطراف، وصلت حدودها إلى بلاد المغول وإلى شرق سوريا أيضاً.



المشابهات بين قانون حمورابي وشريعة التوراة


تتطابق بعض قوانين التوراة مع قوانين حمورابي وسنورد في ما يلي بعض الأمثلة على ذلك:


قانون حمورابي 8


إذا سرق سيد ثوراً أو شاة أو حماراً أو خنزيراً أو قارباً، إذا كان (المسروق) يعود للإله أو للقصر، فعليه أن يعطي 30 مثلاً. أما إذا كان يعود إلى مسكين، فعليه أن يدفع 10 أمثال كاملة، إذا لم يكن لدى السارق ما يعوّض به فإنه يعدم.


قانون التوراة:


إذا سرق رجل ثوراً أو شاة فذبحه أو باعه فليعوض بدل الثور خمسة من القطيع. وبدل الشاة أربعة من الخراف. (خروج 21: 37).


قانون حمورابي 129


إذا قبض على امرأة مضطجعة، مع سيدتان فيجب عليهم أن يوثقوهما ويلقوهما في الماء. ويمكن لزوج المرأة أن يبقي زوجته على قيد الحياة إذا رغب، كما يمكن للملك أن يخلّي حياة أمته.


قانون التوراة:


وإن أخذ رجل يضاجع امرأة متزوجة فليموتا كلاهما. (تثنية 22:22)


قانون حمورابي 195


إذا ضرب ولد والده فعليهم أن يقطعوا يده


قانون التوراة


من ضرب أباه وأمه فليقتل قتلاً (خروج 21: 15).


قانون حمورابي 196


إذا، فقأ سيد عين ابن أحد الأشراف، فعليهم أن يفقأوا عينه.


قانون التوراة


الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن (لاويين 24:20).


قانون حمورابي 197 ـ 200


إذا كسر سيد عظم سيد آخر، فعليهم أن يكسروا عظمه.


إذا قلع سيد سن سيد من طبقته، فعليهم أن يقلعوا سنه.


قانون التوراة


هو ذات القانون السابق.


قانون حمورابي 245


إذا استأجر أحدهم ثوراً وأماته بسبب الإهمال أو الضرب، يعوّض صاحب الثور ثوراً مثله.


قانون التوراة


ومن قتل بهيمة، فليعوّض مثلها، نفساً بدل نفس (لاويين 24:18).


قانون حمورابي 250


إذا عجل، وهو مار في الطريق، نطح رجلاً ما وأماته، هذه القضية لا تستوجب التعويض.


قانون التوراة


وإن نطح ثور رجل أو امرأة فمات، فليرجم الثور ولا يؤكل من لحمه، وصاحب الثور براء (خروج 21:28).


قانون حمورابي 251


إذا كان عيد أحدهم، يدفع ثلث منه، من الفضة (المنة: تساوي بابل 505 غرام).


قانون التوراة


وإن نطح الثور عبداً أو أمة، فليؤد إلى سيده ثلاثين مثقالاً من الفضة والثور يرجم (خروج 21:32).


هنا سؤال يطرح نفسه: هل هناك من علاقة وتواصل تاريخيين بين البابليين واليهود، قد ينتج عنهما مثل هذا التأثير الحر في المواد القانونية؟


نقول هنا، بديهياً، إنه، وحسب التقليد الكتابي، أن إبراهيم الخليل خرج من مدينته أور الكلدانية، أي من سهل شنعار من بلاد بابل الجنوبية على أيام حكم حمورابي، وعليه فإن إبراهيم حاملاً معه شرائع بلاده الأصلية الأصيلة، وبقيت تراثاً لدى أبنائه وأحفاده على التوالي يعملون بها ويتقاضون بموجبها. علماً أن التوراة تشير مع العلماء الباحثين في أسفارها أن الملك امرافيل المذكور في سفر التكوين (1:14- 12).


وتأكيداً على كلامنا نجد أن زواج إبراهيم من هاجر الجارية، خادمة زوجته سارة العاقر، لينجب منها ولداً لسارة، أمر منصوص عليه في قوانين حمورابي. في حين أنه يغيب في قوانين العهد القديم.


فقد ورد في قانون حمورابي المادة 145 ما نصه: «إذا تزوج سيد زوجه، ولم تهد له أولاداً، وقرر أن يأخذ جارية فلهذا الرجل أن يأخذ ويأتي بها إلى بيته أنها امرأة ثانية».


وفي التوراة ورد ما نصه: «فقالت ساراي لأبرام: هوذا قد حبسني الرب عن الولادة فأدخل على خادمتي، لعل بيتي يبنى منها» (تكوين 2:16).


لذلك نستطيع القول إن إبراهيم، في زواجه من هاجر، طبّق قانوني حمورابي، ثم إن النزاع الذي حصل بين سارة وهاجر مذكورة أسبابه في قانون حمورابي كما ورد في المادة 145: «... لا تكون مساوية للزوجة» والتوراة تنص: «فلما رأت هاجر أنها قد حملت هانت سيدتها في عينها. فقالت ساراي لأبرام: ظلمي عليك، إني وضعت خادمتي في حضنك. فلما رأت أنها قد حملت، هنت في عينيها. ليحكم الرب بيني وبينك». (تكوين 16: 4- 5).


اذاً تظلم سارة قانوني، بحسب شريعة حمورابي ويبقى أن نطرح سؤالاً يطرح نفسه بخصوص هذه القصة: لماذا لم يبع إبراهيم هاجر، حسب عادة الأسياد مع العبيد، بل طردها من المنزل؟ الجواب أيضاً في قانون حمورابي الذي ينص بحسب المادة 146 ما يلي:


إذا سيد تزوج زوجة وأعطت لزوجها جارية فولدت أولاداً، وإذا أرادت هذه الجارية أن تتساوى بعد ذلك مع سيدتها لأنها ولدت أولاداً، لا يجوز لسيدتها أن تبيعها بالفضة أو تضعها في السلاسل أو تعدها من الإماء».


والتوراة تشير إلى هذه الناحية بقولها:


«فقالت (سارة لإبراهيم): اطرد هذه الخادمة وابنها» (تكوين 21: 10).


إذن، بعد ولادة إسماعيل، وحسب قانون حمورابي، لم يعد باستطاعة إبراهيم لا أن يبيع هاجر ولا أن يعاقبها. لذلك كان الحل الوحيد أمام سارة أن تطردها من المنزل.



وقبل أن اختم كلامي، أذكر بأن الشكل النهائي لنص التوراة يعود تأليفها إلى فترة ما بعد العودة من سبي بابل (القرن الخامس قبل الميلاد)، لذلك فالكاتب عاش مدة نصف قرن وأكثر في العالم البابلي وتعرّف على عاداته وتقاليده، وعلى تراثه الفكري والروحي وتأثر بها في عمله التأليفي لهذه النصوص القانونية.


منقول

question لا تطبخ جدياً بحليب أمّه .. نصيحة أم تشريع؟! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
23/01/2010, 18:23:24


يُطالعنا الكتاب المقدس .. في سفر خروجه .. 23 : 19 بالآتي:

أفضل بواكير أرضك تحضره إلى بيت يهوه إلهك, لا تطبخ جدياً بحليب أمه.

طبعا وفق التقليد اليهودي الكلاسيكي هذا الكلام يُعتبر بمثابة إعلام عن خطر خلط أيّ نوع من اللحوم مع أيّ نوع من أنواع الحليب
أو أيّ مُنتج من منتجات الألبان.


هذا الكلام صادفني بمعرض قراءتي لكتاب اسرائيل شاحاك عن اليهودية وطأة ثلاث آلاف عام .. ولكن تساؤلي: هل يمكن اعتبار ما ورد بمثابة نصيحة؟ أو تشريع مُلزم؟
اذا كان تشريع فما هي الاسباب التي بُني عليها؟


معروف في بلاد كثيرة وجود وجبات اساسية ترتكز على خلط الحليب أو اللبن مع اللحوم .. بمعنى اصوب لم أقرأ شخصياً للآن أي تحذير من طبخ اللحم مع الحليب او اللبن.

شكرا  tulip

xx زهرة بنت الصبح .. شيطان الكتاب المقدس!! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
13/11/2009, 15:38:51




لاحظت سابقا عبر موضوع طرحته في القسم الإسلامي عن إبليس / الشيطان بعض التخبُّط في تفسيرات تتعلق بتلك الشخصية القصصية المثيرة . أنتقل الآن للتنقيب على هذا الكائن القصصي في أديان أخرى, كالآتي:


الشيطان في اليهودية

ترد الكلمة شيطان (بمشتقاتها المختلفة) في التناخ باللغة العبرية بعدة معانٍ فترد في بادئ الأمر بمعنى المقاوم { يظهر الجذر שטן كفعل يعني يقاوم في "وَوَقَفَ مَلاكُ الرَّبِّ فِي الطَّرِيقِ لِيُقَاوِم" العدد 22/22. }
ثم ترد بمعنى الخصم { يرد ذلك في الملوك الأول 11/14 "وَأَقَامَ الرَّبُّ خَصْماً لِسُلَيْمَان". }
وفقط في سفري أيوب وزكريا { في زكريا 3: 1-2 "1وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِماً قُدَّامَ مَلاَكِ الرَّبِّ وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ. 2فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ. لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ. أَفَلَيْسَ هَذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟"." }
تظهر الكلمة بـ"أل التعريف" لتمثّل الشيطان رغم أن شخصية الشيطان تظهر في المزامير { في المزمور 109/6 "فَأَقِمْ أَنْتَ عَلَيْهِ شِرِّيراً وَلْيَقِفْ شَيْطَانٌ عَنْ يَمِينِهِ." }
وفي سفر أخبار الأيام الأول { في أخبار الأيام الأول 11: 1 "1وَوَقَفَ الشَّيْطَانُ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ وَأَغْوَى دَاوُدَ لِيُحْصِيَ إِسْرَائِيلَ." }
كما تظهر في سفر صموئيل الثاني شخصية "ملاك مُهلك"  { صموئيل الثاني 24: 16 "وَبَسَطَ الْمَلاَكُ يَدَهُ عَلَى أُورُشَلِيمَ لِيُهْلِكَهَا، فَنَدِمَ الرَّبُّ عَنِ الشَّرِّ وَقَالَ لِلْمَلاَكِ الْمُهْلِكِ الشَّعْبَ: "كَفَى! الآنَ رُدَّ يَدَكَ." }


الشيطان في المسيحية

والشيطان بحسب المسيحية هو كائن روحي له سلطان على زمرة من الكائنات الروحية النجسة الخاضعة له وهم شياطين أيضا ( متى 9 :34 ) وكان الشيطان في الأصل من ملائكة الله ولكنه وبسبب غروره وكبريائه سقط من المجد الذي كان فيه جارا معه مجموعة من الملائكة الموالين له لتتحول إلى أرواح نجسة حيث اعتقد أنه يستطيع أن يصير مثل الإله ( أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ.)( أشعياء 14 :13 - 15 ) ، ورغم سقوطه فأنه لم يفقد القوة الملائكية التي كان يتمتع بها فقدراته أقوى بكثير من قدرات الإنسان العادي ، وله ملكات عقلية كالإدراك والتمييز والتذكر وأحاسيس مختلفة كالخوف والألم ( مرقس 5 :7) والاشتهاء كما أنه يمتلك القدرة على الاختيار ( أفسس 6 :12 ) وبسبب تمرد الشيطان أمر الله بطُرده مع أتباعه إلى جهنم بقيود في الظلام محروس من الملائكة ( 2 بطرس 2 : 4 ) ( يهوذا 6 )، ولكن هذا لم يوقفه من العمل بالشر على الأرض ( 1 بطرس 5 :8 ) .
وهكذا فالمسيحية تؤمن بوجود نوعين من المخلوقات العاقلة : البشر و الملائكة ( ملائكة الله الأخيار و الشيطان وملائكته الأشرار ) .


في العهد القديم


لا يوجد ذكر كثير للشيطان في كتاب العهد القديم لأن التركيز الأكبر كان دوما موجها نحو الإله الواحد رب الجنود ( 1 صموئيل 17 :45 ) وقوته العظيمة على الأرض ، فجبروته فاق آلهة الوثنيين الذين كانوا يمثلون بطريقة أو بأخرى حضور الشيطان في العالم وهيمنته عليه في الفترة ما قبل قدوم المسيح ( مزمزور 96 :5) ، وذلك تحاشيا لإنغرار بني إسرائيل بقدراته الفائقة مما قد يؤدي لانجذابهم لعبادة الأوثان فعبادة الشيطان ضمنيا كما فعلوا من قبل مرات كثيرة ( تثنية 13 :3).
وفي مطلع سفر التكوين أول كتب العهد القديم يظهر الشيطان متخفيا بهيئة حيَّة في فردوس عدن ليجرب أم الجنس البشري .. حواء ، فيصف الكتاب الحيَّة بـ (أحيل جميع حيوانات البرية ) ( تكوين 3 :1 ) وبأنها خدّاعة ( تكوين 3 :13 ) ، انفردت تلك الحية بحواء وبأسلوب ماكر دفعتها لتناول ثمر الشجرة التي نهاهم الرب من أكلها واستعمل الشيطان في إغواء حواء الخطيئة ذاتها التي كانت سببا في سقوطه وهي الكبرياء ، حيث قال لها بأنها إن أكلت تلك الثمرة هي وآدم فسيصيران كالله عارفين الخير والشر ( تكوين 1 :5 ) ، وبعد أن سقطت حواء ورجلها بالتجربة عاقبهم الله بأن طردهم من فردوسه إلى أرض الشقاء كما عاقب الحيَّة أيضا فلعنها من بين جميع مخلوقاته وأعطى الرب وعده للبشر ووعيده للحيَّة ( وَأَضَعُ عَدَأوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ ) ( تكوين 3 :15 ) في إشارة لقدوم المسيح من نسل امرأة وليس من رجل حيث تؤمن المسيحية - كما الإسلام - بأن المسيح ليس له أب بشري ، ويسوع سحق الشيطان تحت أقدامه بعمله الكفاري بينما يترصد إبليس في كل حين عقبه أي المؤمنين بالمسيح ليأخذهم معه إلى الهلاك .
ثم يظهر الشيطان مجددا في سفر أيوب بهيئة المشتكي على المؤمنين في محضر الرب ، حيث يتحدى الله بأنه إن أوقف نعمه عن أيوب فإن الأخير سوف يجدف عليه سريعا ( أيوب 1 :6 – 12 ) فيسمح الله لإبليس بأن يجرب أيوب إلى حين ولكنه بشرط أن لا يميته .
وفي سفر إشعياء نجد صورة رمزية للشيطان والذي دعي بزهرة بنت الصبح قاهر الأمم الذي اعتقد أنه يستطيع أن يسمو بمجده إلى مجد الله فيصير مثل العلي ، وهذا كان سبب سقوطه إلى أسافل الأرض ( إشعياء 14 ) ، ومرة أخرى في سفر حزقيال الإصحاح 28 يعود الكتاب يخبرنا عن قصة سقوط إبليس بصورة رمزية أيضا يكون فيها ملك صور فيتكلم الرب إلى نبيه حزقيال بشيء من الأسف ليرفع مرثاة على الملك الذي كان خاتم الكمال بين أعيانه وملآن بالحكمة والجمال وكان يقيم في جنة عدن وحظي بنعمة الله بأنه كان من الملائكة المقربين حتى وُجِدَ فيه إثم ، فطرحه الرب إلى الأرض ليعاقبه على نجاسته ويتوعده بأنه سيخرج نارا من وسطه لتأكله .


في العهد الجديد


انطلاقا من الوعد الذي أعلنه الله في جنة عدن بأن القادم من نسل المرأة سوف يسحق إبليس يقدم لنا العهد الجديد مسيرة حياة المسيح على الأرض كحرب موجهة ضد شرور العالم كثرت فيها مواجهات يسوع المباشرة مع الأرواح النجسة ومع سيدها الشيطان نفسه ، فقبل أن يباشر المسيح بالتبشير بين الناس ذهب إلى البرية ليصوم أربعين يوما وأربعين ليلة وبعدها جاءه الشيطان ليجربه فهزمه يسوع هناك في عقر داره فالبرية كانت بالنسبة للشعوب القديمة أرض نجسة تسرح وتمرح فيها أرواح الشر .
وبعد ذلك يروي لنا إنجيل مرقس فاتحة معجزات يسوع في كفر ناحوم حيث أخرج روح نجس من رجل ممسوس وهناك صرخ ذلك الروح (آهِ! مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ قُدُّوسُ اللَّهِ ) ( مرقس 1 :24 ) ، وعلى هذا المناول تتوالى في الأناجيل الأربعة قصص مشابهة لإخراج تلك الشياطين من الناس وفي كل مرة كانت تفزع مرتعبة من سلطان المسيح وتعلن للجميع بأنه ابن الله العلي ، وفي وقت لاحق يرسل يسوع تلاميذه ليكرزوا ويمنحهم السلطان لشفاء المرضى ولإخراج الشياطين ( متى 10 :8 ) وتلك كانت المرة الأولى التي يُمنح فيها في الكتاب المقدس إنسان القوة على إخراج الشيطان و بكل الأحول تلك القوة منحت لأتباع المسيح لتكون على مدى القرون القادمة من العلامات الفارقة في البشارة بالإنجيل ( مرقس 16 :17 )ومن ناحية أخرى لا يشرح الكتاب بوضوح عن سبب وكيفية دخول الأرواح النجسة في البشر ،إلا أنه يبين أن دخول الشياطين كان يسبب أمراض خطيرة للناس جسدية وعقلية كالبكم ( متى 9 :32 ) والصرع ( مرقس 9 :17-27 ) والعمى ( متى 12 :22 ) وحتى الجنون ( متى 8:28 ) وفي سفر أعمال الرسل نقرأ قصة إخراج بولس الرسول لروح نجس من فتاة خادمة وكان ذلك الروح قد وهبها القدرة على العرافة وكان أسيادها يجنون المال بسببها ( أعمال 16 :16-18 ) .
ومن أبرز قصص إخراج المسيح للشياطين هي تلك المذكورة في ( مرقس 5 :1-20 و لوقا 8 :26-39 ) حيث التقى يسوع برجل ممسوس كان يعيش في القبور ويصرخ ويضرب نفسه بالحجارة باستمرار وقد حاول الناس ربطه بسلاسل إلا أنه كان يقطعها في كل حين وعندما سأله المسيح ما اسمك أجاب لجئون أي جيش من الشياطين فكلمة لجئون باللغة اللاتينية كانت تستخدم للدلالة على فرقة من الجيش الروماني تشمل 6000 جندي ، ورغم عددهم الكبير إلا أن هؤلاء الشياطين ارتعبوا من لقاء المسيح وترجوه كثيرا أن لا يرسلهم للهاوية بل إلى قطيع من الخنازير كان يرعى في الجوار فأذن لهم يسوع بذلك وكانت غاية الإنجيل من ذكر ذلك تبيان أن الشياطين أنفسها تأتمر بأمر المسيح وتخضع لمشيئته ، والقصة الأخرى ذات الأهمية المماثلة هي الواردة في ( متى 17 :15-21 و مرقس 9 :17-29 ) حيث يرتمي رجل أمام المسيح ويرجوه بأن يشفي ابنه من الروح النجس الذي يعذبه ويسبب له الصرع ويلقيه تارة في النار وتارة في الماء وكان الرجل قد قدم ابنه أولا لبعض تلاميذ يسوع ولكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا له شيئا ولكن بعد أن انتهره يسوع شفي الغلام فتساءل التلاميذ لماذا لم يقدروا هم على إخراج الشيطان فأجابهم يسوع (وَأَمَّا هَذَا الْجِنْسُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ ) ( متى 17:21 ) ، وفي هذا الجواب إشارة إلى أن الشياطين مراتب مختلفة تتفاوت فيها قوتهم وقدراتهم الفائقة الطبيعة وتستوجب قوة إيمان وممارسات تعبدية معينة من الشخص الذي يمتلك موهبة إخراجها .
في كتاب رؤيا يوحنا صور رمزية عديدة عن الشيطان وحربه ضد الكنيسة حيث ينبئ الكتاب بهزيمة إبليس وجميع أعوانه في نهاية الأزمنة ( رؤيا 20 : 1 – 3 – 7- 10 ) .


النص أعلاه منقول


ننتقل الآن لتفسير أحد مبشّري شهود يهوه .. لأحد أصدقائي وقد نقل لي رأيه مسجلا على ورق بالاتفاق مع ذاك المبشر .. منعا لأي التباس, وهو كالآتي:


نبدأ مع زهرة بنت الصباح, حيث ان سبب هذه التسمية هو أنها / أنه { دون جنس محدد فهو روح } ملاك مسؤول عن المجرّة وكل أنواع الاحجار الكريمة والمعادن, بمعنى يسكنها كلها.
وبعد قصّة آدم والشجرة تحوّل الى اسم جديد هو : التنين .. ثمّ تحول الى الأفعى .. أخيراً وليس آخراً الى الشيطان, وأخيراً تحوّل الى إبليس وهو يُعتبر رئيس الشياطين باسم: بعل زبوب كآخر اسم مُعتمد له!!
التنين يعتبره الكتاب المقدس حيوان ذكي .. قد لبسه إبليس بمشيئة يهوه / الله
حوّله يهوه الى افعى كتنفيذ حكمه فيه بالمشي على البطن والاكل من تراب الارض لابد الدهرز
معارضته لله بقصة آدم حوّلته للشيطان من شطن العبرية بمعنى مقاوم أو معارض!!
التأثير الاغريقي أدخل كلمة إبليس التي تعني أبو الكذاب .. ديابلوس باليونانية / الاغريقية.
التأثير الكنعاني / الفينيقي يحضر عبر اسم بعل زبوب اي سيد الذباب!!
الى هنا كنا نتحدث عن فرد هو إبليس أو الشيطان أو التنين أو الافعى أو بعل زبوب!!


ننتقل لازالة الالتباس بمفهوم: الشياطين .. فما المقصود بالشياطين في الكتاب المقدس؟

يقول المبشر: هم 120 شيطاناً, كانوا حرساً ل 60 باب من ابواب الجنّة / جنّة عدن المحددة بسفر التكوين بالارض التي يجري فيها اربع انهار هي سيحون وجيحون ودجلة والفرات وهي باختصار " الهلال الخصيب "  فالمبشر يؤكد ان الجنّة ارضية لا سماوية وهي انتهت بعد الطوفان!!
نعود لحرس ابواب الجنّة / الكيروبيم أو اقرب الملائكة الى يهوه / الله, حيث يتم ذكر اسماءهم في سفر اخنوخ كلهم .. واللذين تحولوا لذكور باعضاء ذكورية كاملة .. فبعد خلق آدم وحواء وتكاثر ذريتهم من البنات بالتحديد, قام هؤلاء الملائكة الحرس بالاعتداء جنسيا على بنات آدم, فحولهم يهوه / الله الى شياطين!!


انتهت قصّة المبشّر


نعود لاشكاليّة فهم هذه الشخصيّة / الشخصيّات ودورها المعارض في ظلّ ديموقراطيّة يهوه / الله المزعومة, الذي خلق آدم ويُتابع خلقه لنا دون استشارتنا
طالباً الاخلاص بعبادته وفق قصص خرافيّة في الغالب يتداخل فيها الحيوان مع النبات مع الانسان ولغاته بطريقة مثيرة!!


 باي tulip

---------------

سيتم تثبيت الموضوع لمدة.

الاشراف

xx ديانة الويكا - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
06/06/2008, 22:47:43
لقد تطرّق العديد من حضرات الزملاء
لديانة الويكا وبشكل مقتضب ... وقد وجدت في ويكيبيديا بعض التفصيل عنها
وددت نقله:


Gerald Brosseau Gardner

الويكا هي أشهر ديانة وثنية جديدة, تم اشهار الويكا في سنة 1954 على يد جرلد غاردنر وهي الآن موجودة في العديد من دول العالم. ادعى جرلد غاردنر ان الويكا هي استمرار لديانة سحر التي استمرت بالسِر لمئات السنين, رجوعاً إلى الوثنية ما قبل المسيحية في اوروبا, لهذا فان الويكا تسمى احياناً بالديانة القديمة. لا يمكن اثبات هذه الادعاءات بشكل موضوعي, ويظن المؤرخون انه تم تجميع ديانة الويكا في فترة ما بعد العشرينات. منذ ذلك الحين تطورت تقاليد التي تشبه ما وصفه جرلد, او تم اخذها عن الويكا الغاردنيرية. الأقسام الاخرى من الويكا لديها ايمان ومناسك خاصة, وبعض اسرار الويكا لا تزال سراً ولا يعرفها الا من تم قبوله في صفوف الويكا. هناك ايضاً أقسام من الويكا التي لا تؤمن بمنهج معين أو ان هناك حاجة لأي اثبات على الانتماء.


بنتاجرام داخل دائرة, إشارة يستعملها الكثير من الويكا( ويكا ويكا ) للدلالة على إيمانهم

جذر الاسم

ويأتي اسم هذه الديانة من "wicce" من اللغة النرسية وتعني "شخص حكيم"، ولكن يرجع البعض إلى الإستخدام الإنكليزي القديم "wicca" وتعني الساحر أو مشعوذ، أو كلمة "witan" من الإنكليزية القديمة ومعناها حكيم أو حكيمة.


 الخصائص

من خصائص هذه الديانة:

عبادة إله وإلهة، أو فقط الإلهة.

مراسيم السبت (مثل: سوين، بيلتَين، إمبولك، لاماس، ليثا، يول، أوستارا ومابون) والإسبات (على ظهور كل قمر جديد وبدر).

بعض الويكا يفضلون فعل المراسيم متعرين.

معظم اتباع هذه الديانة يستجدمون كتاب الظل كدفتر يوميات يحتوي على أفكار وتعويذات. وبعض آخر يخصصون كتاب الظل للتعويذات فقط و يستخدمون كتاب آخر يسمى كتاب المرايا للأفكار والتعليق على التجارب.

أخلاق الويكا

كل الأخلاق الوكية تأتي من الـ"نصيحة الويكا" التي تقول: "إذا لن يؤذي دابة، فإفعلوا ما نويتم" وهذا يبين لكل ويكي أن له مسؤلية تامة لما يفعله.

الكثير من الويكيين يشهرون قانون الثالوث وهو ما يعني أن ما يفعله المرء يرجع له بثلاث مرات، إن كان خيرا أم شرا.


 أصناف الويكا

من أصناف الويكا المختلفة:

1- الويكا الإسكندرية : هي تقليد من دين الويكا الوثني، سمي بإسم أليكس ساندرس، الذي مع زوجته ماكسين، أسس هذا التقليد في عقد الستينات. كان ساندرس في ماضيه ناشئ في جماعة غاردنيرية.
إجمالاً الجماعات الإسكندرية تركز على التدريب في السحر الشعائري مثل القبالة والسحر الملاكي والإخنوخي. الجماعة الإسكندرية المثلية لها ترتيب هرمي، ويجتمع إسبوعياً، أو على الأقل كل بدر وقمر جديد، والاحتفالات. كما أنهم يحجون إلى مدينة الأسكندرية في مكان يدعى قدس الأقداس و توفر لهم الحكومة المصرية الترتيبات الخاصة بتأدية حجهم وتعتبر الأسكندرية مدينة مقدسة حسب معتقدهم .

2- الويكا الدايانية

3- الويكا الغاردنيرية : (تنطق گاردنيرية) هي تقليد من ديانة الويكا. هذا التقليد مسمى على جيرلد غاردنر (1884-1964). بعد التقاعد، غاردنر ذهب إلى مدينة كريستشرش في ساحل جنوب انكلترا، أين تعرف على مجموعة من الناس الذين حموا الطقوس التقليدية. انبهر غاردنر وبدأ بتجديد ديانة الذي وصفها بالقديمة.
بعض الوثنيين-الجدد يعتبرون التقليد الغاردنيري كتقليد أصولي بين التقاليد الويكية، لأنه يتطلب ممارسة صارمة للطقوس الذي تحدث عنها غاردنر.

4- الوكا الجنية

xx آيات بينات من السور والاصحاحات؟؟!! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
16/11/2007, 02:10:43




وكل شيء تقريبا يتطهر حسب الناموس بالدم وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة 9:22

عبريين

19: 8 هوذا لي ابنتان لم تعرفا رجلا اخرجهما اليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم و اما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئا لانهما قد دخلا تحت ظل سقفي

من سفر التكوين

4: 12 و تاكل كعكا من الشعير على الخرء الذي يخرج من الانسان تخبزه امام عيونهم

من سفر حزقيال بالعهد القديم

12: 29 فحدث في نصف الليل ان الرب ضرب كل بكر في ارض مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الاسير الذي في السجن و كل بكر بهيمة
21: 7 و اذا باع رجل ابنته امة لا تخرج كما يخرج العبيد

من سفر الخروج بالعهد القديم

7: 1 متى اتى بك الرب الهك إلى الارض التي انت داخل اليها لتمتلكها و طرد شعوبا كثيرة من امامك الحثيين و الجرجاشيين و الاموريين و الكنعانيين و الفرزيين و الحويين و اليبوسيين سبع شعوب اكثر و اعظم منك
21: 18 اذا كان لرجل ابن معاند و مارد لا يسمع لقول ابيه و لا لقول امه و يؤدبانه فلا يسمع لهما 21: 19 يمسكه ابوه و امه و ياتيان به إلى شيوخ مدينته و إلى باب مكانه 21: 20 و يقولان لشيوخ مدينته ابننا هذا معاند و مارد لا يسمع لقولنا و هو مسرف و سكير 21: 21 فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت فتنزع الشر من بينكم و يسمع كل إسرائيل و يخافون
23: 1 لا يدخل مخصي بالأرض او مجبوب في جماعة الرب
25: 11 اذا تخاصم رجلان بعضهما بعضا رجل و اخوه و تقدمت امراة احدهما لكي تخلص رجلها من يد ضاربه و مدت يديها و امسكت بعورته 25: 12 فاقطع يديها و لا تشفق عينك
28: 53 فتاكل ثمرة بطنك لحم بنيك و بناتك الذين اعطاك الرب الهك في الحصار و الضيقة التي يضايقك بها عدوك

من سفر التثنية العهد القديم

11: 3 و لكن اريد ان تعلموا ان راس كل رجل هو المسيح و اما راس المراة فهو الرجل و راس المسيح هو الله 11: 4 كل رجل يصلي او يتنبا و له على راسه شيء يشين راسه 11: 5 و اما كل امراة تصلي او تتنبا و راسها غير مغطى فتشين راسها لانها و المحلوقة شيء واحد بعينه 11: 6 اذ المراة ان كانت لا تتغطى فليقص شعرها و ان كان قبيحا بالمراة ان تقص او تحلق فلتتغط 11: 7 فان الرجل لا ينبغي ان يغطي راسه لكونه صورة الله و مجده و اما المراة فهي مجد الرجل 11: 8 لان الرجل ليس من المراة بل المراة من الرجل 11: 9 و لان الرجل لم يخلق من اجل المراة بل المراة من اجل الرجل
14: 34 لتصمت نساؤكم في الكنائس لانه ليس ماذونا لهن ان يتكلمن بل يخضعن كما يقول الناموس ايضا 14: 35 و لكن ان كن يردن ان يتعلمن شيئا فليسالن رجالهن في البيت لانه قبيح بالنساء ان تتكلم في كنيسة
9: 3 هذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني 9: 4 العلنا ليس لنا سلطان ان ناكل و نشرب
9: 6 ام انا و برنابا وحدنا ليس لنا سلطان ان لا نشتغل 9: 7 من تجند قط بنفقة نفسه و من يغرس كرما و من ثمره لا ياكل او من يرعى رعية و من لبن الرعية لا ياكل
9: 11 ان كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات افعظيم ان حصدنا منكم الجسديات
3: 18 لا يخدعن احد نفسه ان كان احد يظن انه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلا لكي يصير حكيما
3: 19 لان حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله لانه مكتوب الاخذ الحكماء بمكرهم 3: 20 و ايضا الرب يعلم افكار الحكماء انها باطلة.

من رسالة بولس الأولى لأهل كورنثوس

قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)

سورة التوبة - القرآن

تأملوا أعزائي المؤمنون في كتبكم المقدسة كم تهين الانسان ... القليل من التفكُّر!! thinking

xx آراء في نشأة الكتب المقدسة - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
16/07/2007, 01:21:47





عندما وضع الإنكليزي Kennicott عام 1780م  نسخة الكتاب المقدس العبري، كان أقدم مخطوط إستعان به، يعود لعام 1106م، آنذاك علق أحد مفكري عصره Eichhorn قائلاً: إن العثور عما هو أقدم  أصبح شيئاً من قبيل الأمنيات اللذيذة، وكـأنه يغمز إلى عدم قناعته بوجود نسخة أكثر قدماً!!

أما  دافيد شتراوسD. Strauß  صاحب كتاب ( حياة يسوع. أعمال للشعب الألماني)  فقد شرح الأمر ببساطة عام 1864م قائلا: الإهتمام بملوك نينوى أو فراعنة مصر، هوإهتمام تاريخي محض، لكن البحث عن نشوء ديانة حيّة، هو إصطدام، وإستدلال على واقع حاضر؟؟ شتراوس هذا كان من أوائل الذين أثبتوا بجلاء أن نصوص الكتاب المقدس قد أختلقت في وقت متأخر جداً، لهذا حُكم على كتابه ( حياة يسوع ) أن يُخنق في الأوساط الأكاديمية، وأن لايصل للشعب الألماني؟؟ في مطلع القرن العشرين استأنف النقد التاريخي حراكه مع السويسري بالداوفBaldauf  والألماني كامماير Kammeier الذيّن كانا على قناعة  بأن الكتاب المقدس ( وبالأخص العهد الجديد ) قد دُوّن في القرون الوسطى العليا (  القرن 11و 12 و13)  واعتمدا في فرضيتهما على محتوى الكتاب المقدس نفسه، حيث أن تأملا عميقا للـأناجيل وأعمال الرسل يمنح إنطباعا بأنها كُتبت من أناس لم يعرفوا فلسطين جيداً ولا اليهودية وطقوسها المعقدة ، ولم يُلموا باليونانية إلا كلغة أجنبية، مع جهل مطلق بالآرامية!! ومع تقدم البحوث وآليات النقد التاريخي، نجد أنفسنا مرة ثانية أمام نفس السؤال: متى نشأ الكتاب المقدس القانوني Canan ( بعهديه القديم والجديد )؟؟ الذي يتلوه المؤمنون ( تقبّل منا ومنهم صالح الأعمال ) ؟ الإجابة قد تطول إلى مالا نهاية، وإختصارا، سأوثر الوقوف عند نقاط مهمة وجوهرية:

Delitzsch وهوأحد باحثي التوراة يعتبر غزو أرض كنعان من قبائل بدوية يهودية في بداية عصرالحديد، أمراً لاعقلانياً، ويقول: لا إله بدون أرض، لذا توجب على يهوى أن يحتل موطناً، لأن الشعب اليهودي ( الموجود في المعنى الديني فقط ) يحتاج إلى موطن يصله بذلك الزمن الضبابي القديم. لهذا فإن التوراة هي قصص جمعتها الجاليات اليهودية  المتناثرة بين أوكرانيا وأسبانيا( بحدود القرن العاشر ) قصص جنونية حاولت أن تغرق في القدم( آلاف السنين) لتصل إلى أن بداية اليهود، كانت مع بداية الخليقة! وبهذا لايمكن لأحد أن يتجاوز هذه المشروعية!! وإلى هذه النتيجة وصل أيضاً Hungerو Stgmüller  فقد اعتقدا أن الكتاب العبري ( التوراة ) خلقه اليهود المازوريون في الشرق، وفي زمن غير محدد؟ أما النسخة النهائية، فقد أنجزت كنصوص مترابطة مطلع القرن 11م ( 1008م)، وهوالزمن الذي  نشأت فيه اللغة العبرية الكلاسيكية الراقية، التي لم تحكىَ سابقا، فيهود الشرق لم يتكلموا سوى اللغة الأرامية العمومية، وكالعادة فقد إدعى المازوريون أنهم أحرقوا كل النسخ المحرّفة التي تداولها اليهود قبلهم!! وهذا يذكرنا بقصة الخليفة عثمان أثناء جمعه للقرآن، وحرقه نسخاً مخالفة، وبقصة القيصر قسطنطين السابع في بيزنطة القرن العاشر، وحرقه للأناجيل المحرّفة ( الآبوكريف )!!

 أما الصياغة الحديثة للكتاب المقدس الحالية، فتعود إلى نسخة Vulgataوهي نسخة حديثة أعدها إيراموس  Eramus  من روتردام قبيل ظهور مارتن لوثر بقليل ( القرن 15)، والتي اعتمدت على أقدم المخطوطات اليونانية؟؟ وهنا بيت القصيد، ماهي هذه المخطوطات القديمة؟ وأين هي، وكيف جرى تزمينها وتحديد عمرها؟

بعد إيراموس ( القرن 15) عرفت أوروبا عددا من المخطوطات اليونانية Codex: أولها الأسكندري، الذي كُتب حوالي عام 1100م ثم وصل إلى إستنبول عام 1621م، بعد أن أنقذ في اللحظة الأخيرة من أيدي أحد الباعة الذين استخدموه في لف السمك للزبائن!!! ثم أهدي إلى بريطانيا. (ونفس القصة سمعناها أيضاً عن لقيّة نجا حمادي في مصر في القرن العشرين، فقد أشير إلى فلاحين مصريين كانوا يُوقدون تلك المخطوطات لغرض التدفئة!! وهي اللحظة الحاسمة، لظهور البطل الذي ترسله الآلهة لإنقاذها، على طريقة حضور الشرطة في الأفلام المصرية ) أما المخطوط الفاتيكاني فيعود إلى 1475م،  (البعض ينسبه إلى القرن الثالث أو الرابع)  وهنالك مخطوط آخر يسمى الإفرايمي، عثر عليه في باريس، ولم يكن بمستطاع أحد  فك رموزه، التي أوحت أنه يحوي نصوصاً من الكتاب المقدس تعود إلى القرن الخامس، وقد كان تعرضه للغسل( في القرن 12م) واستخدامه في كتابة موجزات لاهوتية سورية ومواعظ إفرايم السوري، السبب وراء صعوبة قراءته، إضافة إلى تداخل بين كتابة إفرايم والنص المغسول. حينها ووسط حيرة الأوساط العلمية، إبتسم الحظ ،  لعالم الوثائق القديمة الشاب الألماني المتوقد ذكاءً ، قسطنطين تيشندورفK.Tischendorf، الذي استطاع أثناء إقامته القصيرة باريس، عام 1843م، من حل طلاسم هذا المخطوط وقراءته، لكن هذا الشاب البروتستانتي الطموح لم يكن ليستكين ويهدأ قبل أن يثبت للعالم المتشكك أن كلمة الله الأصلية ماتزال كماهي  تنقلها الأجيال حرفا حرفا منذ أن نزلت على موسى في سيناء، لذلك شد الرحال وأبحر إلى مصر عام 1844م، ليبحث في دير كاترين عما يشفي غليله، ويشبع وطموحه. في الحقيقة لم يعثر في رحلته الأولى إلا على عدد من الأوراق( أيضاً ويا للصدفة، فقد ألتقطها من سلة في الدير، والنيران تكاد تلتهمها!! ) ثم سافر إلى مصر ثانية عام 1853م وعاد خالي الوفاض، وأعاد الكرّة بعد تسعة أعوام 1869م ليعلن للعالم إكتشاف  أهم كنوز المسيحية قاطبة ألا وهو المخطوط السينائي( لا أدري معنى إكتشافه إذا كان المخطوط موجودا أصلا في الدير، إلا إذا إعتبرنا رهبان دير كاترين مجموعة من الغلاظ الأجلاف!! كما وصفهم في كتبه لاحقاً) وبما أن الدير كان تحت إشراف الكنيسة الأرثودوكسية، فقد تم إهداء هذا المخطوط إلى القيصر الروسي، راعي هذه الكنيسة. وقد أحدث  هذا الكشف دوياً هائلا لايضاهيه إلاّ إكتشاف مقبرة توت عنخ أمون فيما بعد، وأدّى إلى تقاطر البيوتات العلمية والأرستقراطية إلى بطرسبورغ لرؤية هذه التحفة النفيسة، التي تثبت أن هذا الإيمان ليس مزحة بل يستند إلى دلائل لايعتريها شائبة!! عام 1933م باع البلاشفة هذا المخطوط  للمتحف البريطاني بمبلغ خيالي؟ وترجع أهميته، ليس لإحتوائه على العهدين القديم والجديد وحسب، فهذا أمر مهم؟ لكن الشيئ المدهش والمثير هو ضمّه بين دفتيه نصوص  إنجيل  برنابا، ومواعظ حريما، وهي من الكتابات التي نبذتها ومنعتها الكنيسة ( منذ القرن الثالث ميلادي ) بكلمات أخرى نحن أمام إثبات دامغ بقدم هذا المخطوط وأصالته!! فلو كان حديثا لما إحتوى على هذه الكتابات المهرطقة؟؟ ومع أن المخطوط لايزال يتمتع بإحترام الأوساط الأكاديمية التقليدية، والمتحف البريطاني (الذي لايسره خسارة أمواله)، إلا أن تزمينه قد أرتفع تدريجيا من القرن الثالث إلى الخامس، ومعظم الباحثين يصرون الآن على القرن السابع !! أما كامماير الأب الروحي لحركة النقاد الجدد، فله رأي آخر!!لقد استطاع بتحريّاته التي تشبه عمل التحريّ الجنائي، من جمع كثير من الخيوط والأدلّة التي تدين تشيندورف نفسه، وتتهمه  بنحل وتزوير السينائية، بمساعدة أحد النصّابين المحترفين، وهو راهب يوناني سابق إسمه سيمونيدسSimonides قضى شبابه في مكتبة دير آرثوس في إحدى الجزر اليونانية، ثم خرج ليمارس النصب وتزوير التحف القديمة وبيعها للأثرياء الأوروبين، لقد استطاع كامماير أن يتابع أدق التفاصيل عن حياة تيشندورف وكتاباته، وكل ما لاكته الصحافة آنذاك، حتى أنه إكتشف إعترافاً لسمونيدس يقرّ بموجبه أنه زوّر السينائية  بخط يده، لكن إعترافه لم يجد أذنأ صاغية، ولم يكن أحدَ مستعداً، لتصديقه، وتكذيب عالم الوثائق الذي سطع اسمه في أوروبا. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الدراسات الحديثة، أثبتت إستحالة قراءة بعض المقاطع المغسولة( أو الممسوحة ) من ذلك المخطوط، بدون إستخدام الأشعة الفوق بنفسجية، والتي لم تكن قد اكتشفت في زمن تشيندورف!! وهنا يبرز السؤال: كيف استطاع عالم الوثائق القديمة تيشندورف أن يخمنها ويقرأها بدقة؟؟

بعد هذا الإيجاز، دعونا نسأل عن كامماير الذي يُسمّى الأب الروحيّ لحركة النقد المعاصرة؟؟

 وُلد فيلهم كامماير عام 1889م، وبدأ نقده عام 1926 بكتاب إسماه: التزوير الكوّني للتاريخ، لكنه لم يعثر، على ناشر، خصوصاً إذا عرفنا أنه مجرد معلم إبتدائية، لم يحظى بقبول واعتراف الأكاديمية العلمية البرويسية في برلين، ثم كتب: نحل التاريخ الألماني Die Fälschung der deutschen Geschichte عام 1935م ولم يحظى أيضاً بإعتراف السلطة النازية الصاعدة، وفي نهاية الحرب وقع في أسر الحلفاء، وأطلق سراحه وعاد إلى مقاطعة تورينغن في ألمانيا الديمقراطية ، وكتب عام 1956 أهم أعماله: النحل  في تاريخ الكنيسة القديمة Die Fälschung der Geschichte des Urchristentums  أيضاً لم تسمح السلطة الشيوعية بطبعه!! وأخيراً توفي عام 1959م بسبب سوء شديد في التغذية، إثر صراع طويل مع البطالة والجوع!!ولولا أن إلتفت إليه  المؤرخ  أولريخ نيميتس H.U Nemietz عام 1991م وأذاع أعماله، لاستمر قابعاً في غياهب النسيان.

 لا أنكر أني تأثرت شخصيا بقصته، وشعرت بحزن ساحق  لمأساته وجوعه، خصوصاً بعدما عرفت أن سعيه للكتابة، لم يكن ترفاً فكرياً، بل هماُ معرفيا  لمفكر إنسانيّ عميق... وقد  لخص أعماله قائلا: أكتبُ لدوافع تنويرية نبيلة، لأن تاريخاً مزوّرا، هو خطر جسيم على الحضارة،  ويمنحنا مفاتيح خاطئة تؤدي إلى معرفة ووعي خادع، سرعان ما يتحوّل إلى وقود لصراعات قادمة!! قرأت هذه الكلمات بحزن،  لأني أسمع طبول صراع حضارات هانتينغون، وأبواقها، وأسمع جعير حماة التاريخ والمقدس، وصمت آخرين  يخشون من عواقب سوء التغذية؟

نـادر قريــط
كاتب وباحث سوري / فيينا 
منقول
 

[1] 2 3 4 5 6 ... 101

 الحاصل في العالم العربي الآنْ .. ثورات تقتلع كل طغيانْ! بدكن حريّة؟ قررر   هِيشْ تَعَاااااااه
http://ateismoespanarab.tk

<a href="http://www.youtube.com/watch?v=e1mfV5bNtGQ" target="_blank">http://www.youtube.com/watch?v=e1mfV5bNtGQ</a>

الحكومة التي تربط مصير الشعب بمصيرها: خائنة لمصلحة الدولة / أنطون سعاده
Arab Atheists Network admin@el7ad.com
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها
تأسس الموقع في 26/3/2006
تم إنشاء الصفحة في 0.515 ثانية مستخدما 13 استفسار.